الاتفاق أو الإغراق… حين تتصادم استراتيجيتان على حافة النظام العالمي

خالد الغريباوي

في قلب الشرق الأوسط، لا تدور المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران بوصفها أزمة عابرة أو جولة ضغط تكتيكي، بل كصراع بين استراتيجيتين كبيرتين تسعيان إلى إعادة تعريف ميزان القوة في الإقليم، بل وربما شكل النظام العالمي نفسه. هنا لا تتواجه دولتان فقط، بل تتواجه فلسفتان في فهم القوة: قوة تعتمد التفوق العسكري والاقتصادي، وأخرى تراهن على الصبر الاستراتيجي والردع غير المتكافئ.

الاستراتيجية الأميركية تقوم على مبدأ السيطرة على الممرات الحيوية ومنع أي قوة إقليمية من تهديد حرية الملاحة أو تدفق الطاقة. حاملات الطائرات، وعلى رأسها البارجة جيرالد فورد، ليست مجرد أدوات حرب، بل منصات سياسية عائمة ترسل رسالة ردع: الولايات المتحدة قادرة على نقل المعركة إلى أي نقطة في العالم خلال ساعات. هدف واشنطن ليس الحرب الشاملة بقدر ما هو فرض سقف واضح للقوة، يحمي حلفاءها ويضمن استقرار أسواق الطاقة التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي.

في المقابل، تبني إيران استراتيجيتها على مفهوم الردع غير المتكافئ. فهي تدرك أن مواجهة مباشرة مع القوة الأميركية التقليدية مكلفة، لذلك تستثمر في الصواريخ بعيدة المدى، والحرب البحرية غير المتماثلة، وشبكات النفوذ الإقليمي. هذه الاستراتيجية لا تهدف إلى الانتصار العسكري الكلاسيكي، بل إلى رفع كلفة أي هجوم إلى مستوى غير مقبول سياسياً واقتصادياً لخصومها.

أي تصعيد واسع ستكون له آثار فورية على الاقتصاد العالمي. الخليج يمر عبره جزء حاسم من تجارة النفط والغاز، وأي اضطراب طويل قد يدفع الأسعار إلى مستويات صادمة، ما ينعكس تضخمًا عالميًا وضغطًا على سلاسل الإمداد. أوروبا، التي تعتمد جزئياً على استقرار أسواق الطاقة العالمية، ستكون من أوائل المتضررين، بينما ستواجه اقتصادات الشرق الأوسط خطر التباطؤ، وتراجع الاستثمار، واهتزاز العملات.

إسرائيل ستكون في قلب أي مواجهة. استخدام صواريخ متطورة ضدها، حتى لو كان محدودًا، قد يربك بنيتها الاقتصادية ويؤثر على ثقة الأسواق والاستثمار، ويضعها أمام اختبار دفاعي وسياسي صعب. وإذا استمرت الحرب لشهر كامل، فإن المنطقة ستدخل مرحلة استنزاف اقتصادي حاد، حيث تتآكل الاحتياطيات المالية وترتفع كلفة التأمين والنقل والتجارة.

أما سيناريو استهداف قطعة بحرية أميركية كبيرة، فسيشكل صدمة استراتيجية. ضربة قوية من هذا النوع قد تدفع واشنطن إلى رد واسع لإعادة ترميم هيبة الردع. ومع أن استخدام السلاح النووي يبقى احتمالًا نظريًا شديد التطرف بسبب كلفته السياسية والإنسانية الهائلة، فإن مجرد اقتراب الصراع من هذا المستوى سيهز الأسواق العالمية ويخلق حالة ذعر اقتصادي.

في هذا المشهد، لا يمكن تجاهل دور القوى الكبرى. الصين، بوصفها مستوردًا رئيسيًا للطاقة من الشرق الأوسط، وروسيا، كلاعب جيوسياسي يسعى لتوسيع نفوذه، قد تتحركان دبلوماسيًا واقتصاديًا لحماية مصالحهما ومنع انهيار إقليمي شامل. تدخلهما لن يكون بالضرورة عسكريًا مباشرًا، بل عبر الضغط السياسي، وإعادة تشكيل التحالفات، ومحاولة احتواء التصعيد.

في جوهر هذه المواجهة يكمن بعد فلسفي عميق: صراع بين رؤية تعتبر القوة أداة لتنظيم النظام الدولي، ورؤية ترى في الصمود والهوية والاستقلال قيمة عليا لا تُقاس فقط بموازين السلاح. لهذا تبدو المفاوضات كأنها تجري فوق خط زلزالي؛ كل طرف يعرف أن الحرب الشاملة قد تخرج عن السيطرة، وأن الانتصار الحقيقي قد يتحقق عبر إدارة التوتر لا تفجيره.

في النهاية، الاتفاق أو الإغراق ليس مجرد خيار عسكري، بل لحظة اختبار للنظام العالمي وقدرته على احتواء صراعات كبرى في عصر مترابط اقتصاديًا. الشرق الأوسط يقف على مفترق طرق، والعالم يراقب مواجهة قد تعيد رسم حدود القوة والنفوذ. بين الردع والتفاوض، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تستطيع الاستراتيجيات الكبرى كبح اندفاع الصراع، أم أن المنطقة تتجه نحو اختبار قاسٍ يعيد تعريف معنى القوة في القرن الحادي والعشرين؟