رياض سعد
نشأ أحمد في بيت كان كل شيء فيه متوفراً إلا الطمأنينة والسكينة … ؛ كان والده، الحاجُّ صادق، رجلاً سريع الغضب، يعلو صوته لأتفه الأسباب، ويهوى أن يُقيم للنظام سوطًا، وللهيبة عصًا…؛ لم يكن الضرب عنده انفعالاً عابرًا، بل منهجًا في التربية؛ كأنّ القسوة عنده هي اللغة الوحيدة التي يفهمها الأبناء …
ضاق ذرعا أحمد وإخوته من أسلوب أبيهم الجاف القاسي،و كبر أحمد وإخوته وأخواته في ظلِّ ذلك الصوت المرتفع، كأنهم نباتاتٌ تُسقى بالخوف لا بالماء…
وذات ليلةٍ، بعد صفعةٍ لم يعرف لها سببًا، عاهد أحمد نفسه أن لا يكون صورةً أخرى من أبيه… ؛ و قال في سرِّه: إن تزوّجتُ يومًا، فسأبني بيتًا من الحنان لا من الصراخ…
ومضت السنوات وانصرمت الايام … ؛ ثم مات الحاجُّ صادق، وترك وراءه مالاً يكفي أبناءه جميعًا، لكنّه لم يترك لهم سكينةً يتوارثونها …
تزوّج أحمد، ورُزق ثلاثةَ أولادٍ وبنتًا. أغدق عليهم حبًّا، وغمرهم بدلالٍ لم يعرفه في طفولته… ؛ لم يرفع يدَه على أحدٍ منهم قط… ؛ كان يظنّ أنّه بذلك قد كسر السلسلة، وأنّه انتصر أخيرًا على إرث الخوف …, وأنه صنع لأولاده ما لم يصنعه أبوه له … ؛ غير أنّ الحياة لا تُقاس بالنوايا .
لكن عندما كبر التوأمان – وهما وَلَداه البكران زيد وعلي – ودخلا مرحلة المراهقة، تغيرت حياتهما وتغير سلوكهما، وكثرت طلباتهما وكبرت أجسادهما قبل أن تنضج أرواحهما … ؛ أما زيد فقد أصبح متديناً متعصباً، يرى أن أكثر تصرفات أبيه لا تنسجم مع الدين…, وصار يقيس أباه بمسطرةٍ من حديد، ويقف منه موقف القاضي لا الابن ؛ وأما علي فانغمس في وسائل التواصل الاجتماعي وانحرف كثيراً، وتاه بين الشاشات والوعود السريعة، حتى سرق مبلغًا كبيرًا من أبيه، وغادر مع رفقةٍ طائشة إلى أربيل …
طوال شهر كامل لم يهدأ بال أحمد ولا إخوته ولا أخواله ؛ اذ كان ذلك الشهر أطولَ من عامٍ في قلب أحمد، بحث عنه في كلِّ مكان، استعان بالأقارب، سأل الأصدقاء، طرق الأبواب… ؛ وحين عثروا عليه أخيرًا، أعادوه إلى البيت بالقوة، كما يُعاد الأسير… ؛ وهناك، في لحظة غضب عمياء، قاموا بربطه بالسلاسل كالحيوان إلى إحدى الشبابيك الحديدية في البناء الخلفي للبيت، وكانوا يناولونه الطعام كما يناولون البهائم… ؛ في تلك اللحظة تلبّسته فيها روحُ أبيه، ولم يشعر، حيث أمر أحمد بربط عليٍّ بالسلاسل ؛ و قال في نفسه: سأعلّمه درسًا لن ينساه …!!
لكنّه لم يدرك أنّه يكتب فصلًا من كتابٍ قديم… ؛ كان المشهد أقسى من أن يُحتمل …
رأى زيد أخاه مقيّدًا كأنّه مجرمٌ خطير، فاهتزّت في داخله صورة الأب الرحيم… ؛ و شعر بإهانةٍ تمسّه كما تمسّ أخاه، وبخذلانٍ يهدم ما تبقّى من يقينه … ؛ لم يتحمل زيد المشهد… ؛ و رأى فيه تصرفاً تعسفياً من أبيه يعيد إلى ذاكرته صور الجد الغائب…
ثم صعد إلى غرفة أبيه مسرعا ، وقد اختلط في صدره الغضبُ بالحيرة، والدينُ بالكرامة، والحبُّ بالقسوة … ؛ وتناول الرشاش الكلاشنيكوف المعلّق على الجدار، ووضع فوهته في فمه … ؛في تلك اللحظة، لم يكن يريد الموت بقدر ما كان يريد أن يُسكت الضجيج… ؛ضغط على الزناد…؛ تناثر رأسُه الطري على الجدران، وسالت دماؤه على الأرض الباردة… ؛دوّى الصوت في البيت، كأنّ الماضي كلَّه انفجر دفعةً واحدة …!!
عندما سمعت أمه صوت الإطلاق الناري، هرعت تركض من المطبخ إلى الطابق العلوي، لتجد الغرفة مقفلة والباب موصداً والدماء تسيل من تحته… ؛ نزلت إلى أسفل البيت ومعها المفاتيح، فأطلقت قيود علي وهي تصرخ وتبكي : لقد مات زيد… لقد انتحر زيد…!!
تجمّد عليٌّ في مكانه، وسقطت السلسلة من يده كما يسقط وهمُ البطولة… ؛ صرخ باعلى صوته لقد قتلتك يا زيد وقد قتلني معك بل قتلنا جميعا …
أجهش علي بالصراخ والبكاء، فتح الباب وهرب… ؛ هرب من وجه أخيه، ومن وجه أبيه، ومن وجه سلسلة لم تنكسر بل اشتعلت ناراً…؛ خرج ولم يعد …!!
في تلك الليلة، جلس أحمد وحيدًا في غرفةٍ لم يعد يسكنها أحد…
تأمّل السلاح، وتأمّل يديه… ؛ ونظر الى السلسلة الحديدية … ؛ أدرك متأخرًا أنّ القسوة لا تُقاس بارتفاع الصوت فحسب ، بل بطبيعة القلب حين يغلق أبوابه …
لقد ظنّ أنّه تحرّر من أبيه، لكنه كان يحمل صوته في داخله …
فالصراخ لا يموت بموت صاحبه، بل يختبئ في الحنجرة التالية، منتظرًا لحظةَ ضعف… ؛وهكذا، اكتشف أحمد أن العنف ليس فعلاً عابرًا، بل ميراثٌ صامت… ؛وأنّ أخطر السلاسل ليست تلك التي تُقيّد الأجساد، بل تلك التي تُقيّد النفوس …
وفي الفجر، حين أذّن المؤذّن للصلاة، لم يسمع أحمد في النداء دعوةً إلى العبادة فقط، بل دعوةً إلى مواجهة نفسه … ؛لكنّ بعض المواجهات… تأتي بعد فوات الأوان
.