في صلاح الدين لا ينام التاريخ… بل يراقب النهر

Iraqis visit the spiral Malwiya minaret, a mid-ninth century treasured Iraqi national monument, within the Samarra Archaeological City, in Samarra, north of Baghdad, on July 26, 2022. - The 50m helicoidally tower of sun-dried and baked brick, modelled on ancient ziggurats that was built to symbolise the power of Islam during the Abbasid caliphate, was listed UNESCO World Heritage Site in 2007. (Photo by Ismael ADNAN / AFP)

إيهاب مقبل

تُعدّ محافظة صلاح الدين واحدة من المحافظات العراقية التي يتداخل فيها التاريخ مع الجغرافيا، والسياسة مع الذاكرة الجمعية. تقع في وسط العراق، وتمتد على ضفاف نهر دجلة، لتشكّل حلقة وصل بين شمال البلاد ووسطها، وبين السهول الزراعية والمناطق شبه الصحراوية. ليست صلاح الدين مجرد مساحة إدارية، بل رقعة عراقية كثيفة الدلالة، شهدت صعود دول، وسقوط أخرى، وبقيت شاهدة على تحولات عميقة في تاريخ العراق.

منذ العصور القديمة، كانت هذه الأرض مسرحًا للاستقرار البشري، بفضل خصوبة التربة وقربها من الماء، فظهرت المدن، وازدهرت الزراعة، وتكوّنت مجتمعات ارتبطت بالنهر بوصفه مصدر حياة ومعنى في آنٍ واحد.

الاسم والجذور التاريخية
يحمل اسم صلاح الدين بعدًا تاريخيًا واضحًا، يرتبط بالقائد الإسلامي صلاح الدين الأيوبي، أحد أبرز الشخصيات في التاريخ الإسلامي. ومع أن التسمية حديثة نسبيًا قياسًا بعراقة المنطقة، فإنها تختصر رمزية القوة والقيادة والحضور السياسي، وهي صفات لازمت هذه الأرض عبر مراحل متعددة من تاريخ العراق.

كانت مدن المحافظة جزءًا من المجال الحضاري لبلاد الرافدين، ومرّت بها الجيوش والقوافل، وازدهرت فيها الحواضر الإسلامية، ولا سيما في العهد العباسي، حين كانت المنطقة قريبة من مركز القرار السياسي والديني.

نهر دجلة: الذاكرة الجارية
يشكّل نهر دجلة العمود الفقري لمحافظة صلاح الدين، فهو ليس مجرد مجرى مائي، بل حامل لذاكرة طويلة من الزراعة والاستقرار والصراع. على ضفافه نشأت المدن، وامتدت الحقول، وتكوّنت علاقة يومية بين الإنسان والماء. ومع أن النهر شهد فترات من الإهمال والتلوث، فإنه ما يزال عنصر التوازن الأساسي في حياة السكان، ومفتاح استمرار الزراعة والبيئة المحلية.

تكريت: المدينة والسلطة
تُعدّ تكريت مركز المحافظة وعاصمتها الإدارية، وواحدة من أكثر مدن العراق ارتباطًا بالسلطة عبر التاريخ. كانت مدينة مهمة في العهد العباسي، وقريبة من دوائر القرار، واحتفظت بطابع سياسي واضح في مراحل لاحقة. أنجبت شخصيات عسكرية وسياسية بارزة، وبقيت مدينة ذات خصوصية تجمع بين النهر والقلعة والذاكرة السياسية الثقيلة.

سامراء: التاريخ والدين والثقافة
تمثّل سامراء إحدى أهم المدن التاريخية والدينية في العراق. كانت عاصمة للخلافة العباسية في القرن التاسع الميلادي، واليوم تُعد سامراء العباسية أحد مواقع التراث العالمي لليونسكو. تحتوي المدينة على معالم دينية هامة مثل الضريح العسكري، والجامع الكبير بمئذنته الملوية المميزة، إضافة إلى مسجد زنكي قديم يعكس الطابع التاريخي المعماري المتنوع للمدينة. سامراء ما تزال مركزًا حضاريًا يربط بين التراث الديني والثقافي والسياسي على مر القرون.

المواقع الآشورية
تحتوي المحافظة أيضًا على إرث آشوري مهم، حيث تقع آشور في قضاء الشرقاط على ضفاف نهر دجلة. وتشمل المواقع الأخرى القبة الصليبية شمال سامراء وقصر العشاق، لتشكل جزءًا من الحضارة الأشورية العميقة في المنطقة، ما يضيف بعدًا حضاريًا وتاريخيًا فريدًا لمحافظة صلاح الدين.

بقية الأقضية: تنوّع المكان ووحدة الهوية
تضم صلاح الدين مجموعة من الأقضية التي شكّلت نسيجها الجغرافي والاجتماعي، من بينها بيجي بطابعها الصناعي ومصفاتها النفطية، وبلد الزراعية المعروفة ببساتينها، والدور ذات الامتداد النهري، والدجيل التي ارتبط اسمها بالزراعة والذاكرة السياسية، وطوز خورماتو التي تعكس تنوّعًا عرقيًا وثقافيًّا واضحًا، حيث يهيمن عليها غالبية تركمانية تاريخيًا، مع اندماج متدرّج مع المجتمعات العربية والكردية المجاورة، ما جعلها مثالًا حيًا على قدرة الإنسان العراقي بمختلف أعراقه على التعايش والتداخل الثقافي داخل محافظة صلاح الدين.

النباتات والحياة الحيوانية: تنوّع يتشكّل على ضفاف دجلة
تتمتع محافظة صلاح الدين بتنوّع نباتي وحيواني نابع من موقعها الجغرافي المتوسط بين السهول الزراعية والمناطق شبه الصحراوية. وعلى امتداد نهر دجلة، تنتشر الأراضي الزراعية الخصبة التي تُزرع فيها محاصيل الحبوب، وعلى رأسها القمح والشعير، إضافة إلى الذرة والخضروات الموسمية. كما تشتهر مناطق بلد والدجيل والدور ببساتين النخيل وأشجار الرمان والحمضيات، حيث شكّل النهر عنصرًا حاسمًا في استمرار هذا الغطاء النباتي رغم تقلبات المناخ.

أما الحياة الحيوانية، فتتنوع بين الحيوانات الأليفة التي يعتمد عليها السكان، مثل الأغنام والأبقار والجاموس، وبين حيوانات برية ما تزال موجودة في المناطق الأقل كثافة سكانية، كالأرانب البرية والثعالب والذئاب في الأطراف الشمالية والغربية. كما تنتشر الطيور النهرية والمهاجرة على ضفاف دجلة، ما يمنح المحافظة بعدًا بيئيًا غالبًا ما يُغفل عند الحديث عنها.

الإنسان في صلاح الدين: الصبر كذاكرة
تميّز إنسان صلاح الدين بالقدرة على التحمّل، نتيجة ما مرّت به المحافظة من صراعات واضطرابات. ومع ذلك، ظل الارتباط بالأرض والنهر والعشيرة عامل تماسك أساسي، وحافظ المجتمع على هويته، رغم الهجرة والخسائر والتغيرات العميقة.

خاتمة
صلاح الدين ليست محافظة عابرة في الجغرافيا العراقية، بل صفحة مفتوحة من التاريخ، يمر فيها النهر حاملاً ذاكرة المدن، من سامراء إلى تكريت، ومن الحقول الخضراء إلى الأطراف الصحراوية، ومن الإرث الآشوري إلى الحواضر الإسلامية. إنها أرض لا تنام، لأن تاريخها لم ينتهِ بعد.

انتهى