الفهم مقابل الحفظ: سر تقدم السويد وتأخر العراق في التعليم

إيهاب مقبل

هل تساءلت يومًا لماذا يسبق العالم الغربي في العلوم والتكنولوجيا، بينما تظل بعض الدول العربية تتخبط في التعليم التقليدي؟

الحقيقة أن الفجوة لا تعود إلى قدرات الطلاب، ولا إلى تفاوتٍ في مستوى الذكاء بين الشرق والغرب، بل إلى طريقة التعليم نفسها. فالرياضيات هي أساس العلوم والتكنولوجيا في عصرنا الحديث، وأي ضعف في تعليمها ينعكس مباشرة على تقدم المجتمع في مجالات المعرفة والابتكار.

فبينما يستكشف الطلاب في السويد الرياضيات والعلوم من خلال التجربة والتطبيق العملي، ما يزال النظام التعليمي في العراق نموذجًا للحفظ والتلقين، يركز على تكرار المعلومات وحل المسائل النمطية دون بناء فهم حقيقي. يحاول هذا المقال تسليط الضوء على الفروق الجوهرية بين المنهاج السويدي والمنهاج العراقي، ويفسر كيف ولماذا فقدنا روح الابتكار التي ميّزت حضارتنا يومًا ما.

المنهاج السويدي: تعليم يقوم على الفهم والتطبيق
يعتمد نظام التعليم السويدي على إطار منهجي واضح لا يحدد فقط محتوى المناهج، بل يضع تصورًا شاملًا لما ينبغي أن يمتلكه الطالب من مهارات وقدرات فكرية. في هذا النظام، تُقدَّم الرياضيات بوصفها أداة لفهم العالم، لا مادة للحفظ المجرد. يُشجَّع الطالب على اكتشاف القوانين بنفسه، ومناقشة الأفكار، وربط المفاهيم بسياقات حياتية واقعية.

ويتجلى هذا التوجه بوضوح في الامتحان الوطني للرياضيات للصف التاسع (وهو ما يعادل الصف الثالث المتوسط في العراق)، حيث لا يتكون الامتحان من نموذج واحد تقليدي، بل من أربعة أجزاء مختلفة، لكل جزء هدف تربوي محدد. فهناك جزء يركز على المهارات الأساسية والحساب، وجزء آخر يقيس الفهم المفاهيمي، وجزء ثالث يعتمد على المسائل النصية والتطبيقات الواقعية، إضافة إلى جزء يقيس قدرة الطالب على الشرح، والتبرير، واختيار الاستراتيجية المناسبة لحل المشكلات.

هذا التنوع في بنية الامتحان يعني أن الطالب لا يمكنه النجاح بالحفظ وحده، بل يجب أن يفهم الفكرة، ويحلل المعطيات، ويبرر خطواته. كما أن توزيع الدرجات بين الأجزاء المختلفة يجعل الامتحان أداة لقياس التفكير الرياضي الشامل، لا مجرد اختبار سرعة أو دقة حسابية.

إلى جانب ذلك، لا يقتصر التقييم على النتيجة النهائية؛ فإذا استخدم الطالب طريقة صحيحة في الحل لكنه أخطأ حسابيًا، فإنه يحصل على جزء من الدرجة. أما إذا كتب النتيجة الصحيحة دون أن يوضح طريقة حل تعكس فهمه، فقد لا يحصل على أي درجة. بهذا الأسلوب، يُكافأ التفكير الصحيح حتى مع وجود خطأ، ويُرفض الحفظ الآلي حتى لو أدى إلى نتيجة صحيحة.

وتعزز هذه الفلسفة باستخدام التكنولوجيا التعليمية، حيث تُوظَّف برامج حديثة وتطبيقات تفاعلية وأدوات رقمية لتوضيح المفاهيم المجردة، ما يجعل التعلم أكثر عمقًا وارتباطًا بالواقع. ونتيجة لذلك، يتخرج الطلاب السويديون وهم يمتلكون مهارات التحليل، وحل المشكلات، والقدرة على توظيف المعرفة في مواقف جديدة.

المنهاج العراقي: تعليم متمركز حول الحفظ والتلقين
في المقابل، يقوم المنهاج العراقي، وخصوصًا في مادتي الرياضيات والعلوم، على نموذج تقليدي يركز على الحفظ. يعتمد التعليم بشكل أساسي على الكتاب المدرسي والسبورة، حيث يشرح المعلم القاعدة، ثم يحل مجموعة من المسائل المتشابهة، ويُطلب من الطالب تقليد نفس الخطوات في الامتحان.

غالبًا ما تخلو الامتحانات من المسائل النصية أو التطبيقات الواقعية، وتقتصر على حسابات مباشرة لا تتطلب تحليلًا أو تفكيرًا عميقًا. كما أن التقييم يركز على الإجابة النهائية فقط، فيُمنح الطالب الدرجة الكاملة إذا كانت صحيحة، وغالبًا صفرًا إذا كانت خاطئة، حتى وإن كانت طريقة حله منطقية. هذا الأسلوب لا يشجع على الفهم، بل يدفع الطالب إلى حفظ خطوات جاهزة دون إدراك معناها.

ومع قلة استخدام التكنولوجيا وغياب التجارب العملية، يصبح التعلم عملية جامدة، ينتج عنها معرفة سطحية سريعة النسيان، وضعف واضح في التفكير النقدي والقدرة على الابتكار.

لمحة تاريخية: حين كان التعليم العربي تطبيقيًا
المفارقة أن هذا الأسلوب لا يعكس التراث العلمي العربي الإسلامي. فمحمد بن موسى الخوارزمي، على سبيل المثال، لم يقدم الجبر كمجموعة قوانين مجردة، بل ربطه بالهندسة وبمشكلات عملية مستمدة من الحياة اليومية. كان التعليم في تلك المرحلة قائمًا على الفهم والتطبيق والتكامل بين العلوم، لا على الحفظ والتلقين.

هذا يؤكد أن المشكلة ليست في الثقافة أو التاريخ، بل في التحول الذي طرأ لاحقًا على فلسفة التعليم، حيث انفصلت المعرفة عن الواقع، وتحول التعلم إلى عملية ميكانيكية هدفها اجتياز الامتحان فقط.

لماذا يعتمد العراق على الحفظ والتلقين؟
اعتماد النظام التعليمي في العراق على الحفظ والتلقين هو نتيجة تراكم عوامل تاريخية وبنيوية. فالنظام التعليمي المركزي القائم على مناهج موحدة وامتحانات وطنية واسعة النطاق يجعل الحفظ أسلوبًا سهل الإدارة. كما أن ضعف تدريب المعلمين على أساليب التدريس الحديثة، والتركيز على الامتحانات التقليدية التي تقيس النتيجة لا طريقة التفكير، يعزز هذا النهج.

إلى جانب ذلك، تعاني المدارس من نقص في الموارد والبنية التحتية، مثل المختبرات والوسائل التعليمية والتكنولوجيا، ما يجعل التعليم التطبيقي صعب التنفيذ. كما تلعب العوامل الثقافية والمجتمعية دورًا مهمًا، إذ يُقاس النجاح غالبًا بالدرجة النهائية، لا بقدرة الطالب على الفهم والتحليل.

مقارنة ميزانية التعليم بين العراق والسويد: الأرقام وما وراءها
عند مقارنة التعليم بين العراق والسويد، لا بد من النظر إلى التمويل وعدد الطلاب معًا. تنفق السويد ما يقارب 7 إلى 8% من ناتجها المحلي الإجمالي على التعليم، في دولة يبلغ عدد سكانها حوالي عشرة ملايين ونصف المليون نسمة. هذا يعني أن عدد الطلاب محدود نسبيًا، وأن الإنفاق على الطالب الواحد مرتفع.

في المقابل، ينفق العراق نسبة أقل من ناتجه المحلي على التعليم (تقديرات تدور حول 4–5٪ من الناتج المحلي)، في دولة يتجاوز عدد سكانها ثلاثة وأربعين مليون نسمة، ونسبة كبيرة منهم في سن الدراسة. ونتيجة لذلك، تُقسَّم الميزانية التعليمية على عدد هائل من الطلاب، ما يؤدي إلى انخفاض حاد في الإنفاق على الطالب الواحد.

ينعكس هذا الواقع مباشرة على اكتظاظ الصفوف، وضعف تدريب المعلمين، وقلة الوسائل التكنولوجية، وصعوبة تطبيق تعليم تطبيقي أو تقييم مرن. وعندما تكون الموارد محدودة، يصبح الحفظ والتلقين حلًا عمليًا منخفض التكلفة، لا خيارًا تربويًا مدروسًا. المشكلة الحقيقية ليست أن العراق يصرف قليلًا، بل أنه يصرف قليلًا على عدد هائل من الطلاب. ولذلك، فإن أي إصلاح تعليمي جاد يتطلب رفع الإنفاق إلى حدود 8 إلى 10% من الناتج المحلي، وإلا سيبقى التلقين هو الخيار الأرخص، لا الأفضل.

لماذا نحن متأخرون تعليميًا؟
من منظور تعليمي بحت، يعود التأخر إلى بنية النظام نفسه، لا إلى قدرات الطلاب. فالتعليم الذي يدرّب الذاكرة بدل العقل، ويكافئ الحفظ بدل الفهم، ويعاقب الخطأ بدل تحليله، لا يمكن أن ينتج جيلًا مبدعًا أو ناقدًا. كما أن غياب المشاريع العملية، وضعف تطوير المعلمين، ومحدودية استخدام التكنولوجيا، كلها عوامل تعمّق الفجوة التعليمية مع الدول المتقدمة.

الخلاصة
تُظهر المقارنة بين التعليم السويدي والعراقي أن التقدم التعليمي لا يتحقق بالمناهج وحدها، بل بفلسفة تعليمية متكاملة. فقد اختارت السويد نموذجًا يقوم على الفهم، والتفكير النقدي، والتقييم المرن الذي يقيس مهارات متعددة، بينما لا يزال العراق يعتمد نموذجًا تقليديًا قائمًا على الحفظ والتلقين، حيث تُختزل المعرفة في نتيجة نهائية، ويُهمل مسار التفكير الذي يقود إليها.

ويؤكد تاريخنا العلمي، كما يتجلى في أعمال محمد بن موسى الخوارزمي، أن الإبداع ليس غريبًا عن ثقافتنا، بل إن التعليم العربي كان في ذروة حضارته قائمًا على الربط بين النظرية والتطبيق. ما غاب لاحقًا لم يكن العقل المبدع، بل البيئة التعليمية التي تحتضنه.

ويتجسد الفرق الفلسفي بين النظامين بوضوح في بنية الامتحانات الوطنية للرياضيات في السويد، ولا سيما في امتحان الصف التاسع (المعادل للصف الثالث المتوسط في العراق). ففي العام الدراسي 2019 مثلا، قُسّم الامتحان الوطني إلى أربعة أجزاء مستقلة، صُمِّم كل منها لقياس بُعد مختلف من التعلم الرياضي.

يبدأ الامتحان بجزء شفهي يهدف إلى التحقق من فهم الطالب للمفاهيم الرياضية وقدرته على الشرح والتبرير والتواصل الرياضي. هذا الجزء وحده كافٍ لإظهار أن الفهم العميق شرط أساسي للنجاح، وليس مجرد مهارة ثانوية.

أما الجزء الثاني فهو امتحان كتابي يركز على المهارات الأساسية والحساب، لكنه لا يُقدَّم بوصفه غاية بحد ذاته، بل كأساس تُبنى عليه مهارات أعلى. يليه الجزء الثالث، وهو امتحان كتابي مخصص لحل المشكلات، حيث يُطلب من الطالب تحليل معطيات جديدة واختيار الاستراتيجية المناسبة للحل، لا تطبيق خطوات محفوظة.

ويُختتم الامتحان بجزء رابع يركز على المسائل النصية والتطبيقات الواقعية، التي تتطلب من الطالب ربط الرياضيات بسياقات حياتية حقيقية، وفهم العلاقة بين اللغة الرياضية والواقع.

هذا التقسيم الرباعي للامتحان يجعل من المستحيل تقريبًا النجاح بالاعتماد على الحفظ وحده، ويحوّل التقييم من أداة فرز إلى أداة تعليم، ومن اختبار للذاكرة إلى قياس للفهم الشامل.

إن أي نهضة تعليمية حقيقية في العراق والعالم العربي لا يمكن أن تتحقق دون إعادة النظر في فلسفة التعليم نفسها: في طبيعة المناهج، وفي إعداد المعلمين، وفي بنية الامتحانات، وفي الانتقال الجاد من ثقافة الحفظ إلى ثقافة الفهم. فالتعليم الذي لا يعلّم الطالب كيف يفكر، لن يمكنه يومًا من أن يبدع أو ينافس في عالم المعرفة.

مراجع:
امتحانات العراق الوطنية (الصف الثالث المتوسط – سنوات سابقة):
https://www.facebook.com/groups/202493644892449/posts/935251391616667/

امتحانات الرياضيات الوطنية في السويد (الصف التاسع – 2019)
النسخة الإنجليزية للتحميل من موقع جامعة ستوكهولم: https://www.su.se/download/18.1c7635ca19b2be312be2bbc/1767773806691/a%CC%8Ak%209%202019%20engelsk%20(Hela%20materialet).zip

النسخة السويدية للمشاهدة المباشرة:
الجزء الأول (امتحان شفهي – فهم وتواصل رياضي):
https://www.su.se/download/18.2b7477cb199a332c2a824a7/1759930352009/%C3%85k%209%202019%20Ma%20L%C3%A4rarinformation%201%20inkl%20delprov%20A%C3%85k%209%202019%20Ma%20L%C3%A4rarinformation%201%20inkl%20delprov%20A.pdf

الجزء الثاني (امتحان كتابي – مهارات أساسية وحساب):
https://www.su.se/download/18.2b7477cb199a332c2a824aa/1759930352365/%C3%85k%209%202019%20Ma%20Delprov%20B%C3%85k%209%202019%20Ma%20Delprov%20B.pdf

الجزء الثالث (امتحان كتابي – حل المشكلات):
https://www.su.se/download/18.2b7477cb199a332c2a824ab/1759930352450/%C3%85k%209%202019%20Ma%20Delprov%20C.pdf%C3%85k%209%202019%20Ma%20Delprov%20C.pdf

الجزء الرابع (امتحان كتابي – مسائل نصية وتطبيقات واقعية):
https://www.su.se/download/18.2b7477cb199a332c2a824ac/1759930352524/%C3%85k%209%202019%20Ma%20Delprov%20D%C3%85k%209%202019%20Ma%20Delprov%20D.pdf

انتهى