النصر الصامت
كتب رياض الفرطوسي
يبلغ الإنسان لحظة غريبة في حياته، لحظة لا يعود فيها الخوف سيد الموقف. ليس لأنه أصبح أقوى، بل لأنه اكتشف أن الانكسار الأكبر قد وقع بالفعل، وأن ما يأتي بعده لا يملك سلطة الرعب نفسها. عند تلك العتبة يتبدل معنى الخسارة، ويغدو السقوط احتمالاً عادياً لا يستحق كل هذا القلق.
هذه الحالة لا تُكتسب بقرار شجاع أو بنصيحة حكيمة، بل تتشكل ببطء، مثل طبقات صخر ترسبت عبر السنين. تجارب قاسية، أخطاء مؤلمة، خيبات صغيرة وكبيرة، ثم لحظة إدراك هادئة يتصالح فيها المرء مع هشاشته، ويقبل الحياة كما هي، هديةً ناقصة، ويقبل الموت باعتباره الوجه الآخر للهدية نفسها.
الناس ينهزمون كل يوم، لكن الهزيمة ليست دائماً سقوطاً، والفشل ليس دائماً عاراً. هناك خسارات لا تقل قيمة عن الانتصارات، بل قد تكون أكثر نقاءً منها. حين يدخل الإنسان معركة غير متكافئة دفاعاً عن معنى يؤمن به، فإن مجرد دخوله ساحة الصراع يصبح موقفاً أخلاقياً بحد ذاته، حتى لو انتهت المواجهة ضده. النتيجة ليست دائماً الحكم الأخير، لأن الغاية أحياناً أثقل وزناً من الحسابات الباردة للربح والخسارة.
بعض الانتصارات تبدو لامعة من بعيد لكنها فارغة من الداخل، انتصارات تقوم على الخديعة أو المساومة أو بيع شيء لا يجوز بيعه. وفي المقابل توجد هزائم تترك في الروح شعوراً خفياً بالكرامة، كأن الخاسر خرج من المعركة مثخناً بالجراح لكنه لم يتخل عن نفسه.
الحياة ليست لوحة مرسومة بلونين متقابلين. الأبيض ليس بريئاً تماماً، والأسود ليس حالكاً دائماً. بينهما تمتد منطقة واسعة من الظلال، يعيش فيها البشر الحقيقيون، أولئك الذين يترددون ويخطئون ثم يحاولون من جديد. وحده العقل المغلق يحب الحدود القاطعة ويطمئن إلى الأحكام النهائية.
في ساحات الحرب يتجلى هذا التناقض بأقسى صورة. الجثث ممددة بصمت، بينما تستمر الكائنات الصغيرة في شؤونها اليومية كأن شيئاً لم يحدث. عصافير ترتجف من برد المطر وتغتسل في برك الماء قرب القتلى، تقفز بخفة لا تعرف معنى المأساة. هناك يتضح الفرق بين موت الجسد وموت المعنى. قد يموت الإنسان واقفاً فيبقى شيء منه حياً في الذاكرة، وقد يعيش طويلاً وهو خاوٍ من الداخل كجسد مهجور.
الحياة لا تتوقف عند الخسارات، بل ربما تبدأ من بعدها. يكفي أحياناً أن يرى المرء نبتة صغيرة تشق طريقها من بين الحجارة ليصدق أن العالم لم ينته بعد. استمرار الأشياء البسيطة هو الدليل الأكثر عناداً على أن الهزيمة ليست الكلمة الأخيرة.
وفي لحظات نادرة، حين يضيق المكان ويشتد الحصار، لا يبقى أمام الإنسان سوى القفز نحو المجهول. قد يكون ذلك القفز إلى بحرٍ مفتوح أو إلى مستقبل غامض أو حتى إلى هاوية غير مضمونة. لكنه قفز من أجل النجاة لا من أجل الانتحار، إعلان أخير بأن الروح ما زالت تقاوم.
عند تلك اللحظة فقط يفهم الإنسان معنى أن يخسر دون أن ينكسر. قد تُسلب منه الغنيمة، وقد يعود بيدين فارغتين، لكن بقاءه في المعركة حتى النهاية يصبح شكلاً من أشكال النصر الصامت.
بعض الهزائم، في حقيقتها، ليست سوى طريقة أخرى للقول إن الإنسان ما زال حياً.