صلاة روحانية في عقر دار القرار العلماني

عدنان طعمة

ما شوهد في الفيديو الذي بثته التلفزة الأمريكية، لم يكن مجرد تجمع ديني عابر بل مشهد يحمل في طياته تناقضا عميقا مع أسس النظام الأمريكي ذاته.

لنتأمل المشهد من زاويتين: الأولى في مدن إيران، حيث تؤدى الصلاة الإسلامية الشيعية بخشوعها المعتاد، جبين يلامس تربة كربلاء، ودعوات تهمس بها الشفاه في لقاء خاص بين العبد وربه. هناك الصلاة تعني الانسحاب من العالم والتوجه إلى الخالق من اجل السلام ورفض الحرب المفروضة على ايران.

أما في البيت الأبيض، فالمشهد مختلف جذريا. هنا الصلاة لم تكن انسحابا من العالم، بل مواجهة له فجدران البيت الأبيض، التي شهدت على قرارات الحروب وصناعة التحالفات التي تقف خصما لإيران، تشهد صلاة مسيحية مأخوذة من اللاهوت المسيحي. وهنا نرى التناقض الصارخ، فالبيت الأبيض ذاته الذي يرمز لتاريخ القرار العلماني يتحول إلى منبر للدعاء ضدها، كما تحول عند الرئيس الأمريكي الأسبق بوش عندما أعلن ان الحرب ضد العراق كانت بايحاء إلهي…

وهنا يكمن المفارقة الكبرى فأمريكا التي قامت على مبدأ فصل الدين عن الدولة والعلمانية التي تفصل بين القرار السياسي والمعتقد الديني، تظهر في هذا المشهد وكأن علمانيتها تتسلل الى روحانيات العالم المسيحي والاعتقاد بإله أمريكي كتب شعار الزلفى له على الدولار الأمريكي عبارة (In God we trust) في خطوة تهدف الى تمييز الهوية الأمريكية عن الاتحاد السوفيتي الملحد حسب ما يشاع عن الآيديولوجية الشيوعية آنذاك . ففي اللحظة التي يفترض فيها أن تكون قاعات الابيض معقلا للقرار السياسي العلماني، نراها تتحول إلى فضاء للروحانيات المسيحية.

المقارنة بين الصلاتين تكشف عن فرق جوهري، ففي إيران، الصلاة حالة من الثبات والاستمرارية اليومية بينما في البيت الأبيض، الصلاة حالة براغماتية من الاقتحام الرمزي ورسالة ترامبية الى الشعب الأمريكي بانه الكاهن الاسطوري لكنائس العالم الجديد . وكذلك فان الصلاة في ايران تعد نداء الى الله لانقاذ ايران وهزيمة الأعداء، في حين الصلاة في البيت الابيض لترسيخ وادامة قرارات الحرب.