اشتقاق متتالي: يرسل (وما نرسل المرسلين الا مبشرين ومنذرين)

د. فاضل حسن شريف

جاء في موقع اسلام ويب عن المحسنات اللفظية في القرآن الكريم: ومن الجناس قوله تعالى: “والتفت الساق بالساق * إلى ربك يومئذ المساق” (القيامة 29-30). وقوله سبحانه: “ثم كلي من كل الثمرات” (النحل 69) فالجناس بين الساق والساق. وكلي وكل. وهذا من الجناس الناقص وضابطه أن يكون الاختلاف في عدد الحروف. – ومنه المذيل، وضابطه أن تكون الزيادة بأكثر من حرف، كقوله عز وجل: “وانظر إلى إلهك” (طه 97) وقوله تعالى: “ولكنا كنا مرسلين” (القصص 45) وقوله سبحانه: “من آمن بالله” (البقرة 62). – ومنه المضارع، وضابطه أن يختلفا بحرف مقارب في المخرج، كقوله تعالى: “وهم ينهون عنه وينأون عنه” (الأنعام 26). فإن اختلفا بحرف غير مقارب، فهو اللاحق، كقوله تعالى: “ويل لكل همزة لمزة” (الهمزة 1). – ومنه المرفق، وهو ما تركب من كلمة وبعض كلمة، كقوله تعالى: “جرف هار فانهار به في نار جهنم” (التوبة 109). – ومنه اللفظي، بأن يختلفا بحرف مناسب للآخر مناسبة لفظية، كالضاد والظاء في قوله تعالى: “وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة” (القيامة 22-23). – ومنه الاشتقاقي، وهو أن يجتمعا في الأصل الاشتقاقي، ويسمى المقتضب، كقوله تعالى: “فروح وريحان” (الواقعة 89). وقوله سبحانه: “فأقم وجهك للدين القيم” (الروم 30). وقوله عز وجل: “إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا” (الأنعام 79). – ومنه تجنيس الإطلاق، بأن يتفقا من حيث الظاهر مع اختلاف المادة المشتق منها،كقوله تعالى: “قال إني لعملكم من القالين” (الشعراء 168) فـ “قال” مشتقة من المصدر (قول) و”القالين” من (القلي) وهو البغض، يقال: قليته أقليه قِلى وقلاء. ومن هذا الباب قوله عز وجل: “ليريه كيف يواري سوءة أخيه” (المائدة:31) فـ “ليريه” من رأى، و”يواري” من (ورَّى) وهو الستر والخفاء.

عن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله جل ثناؤه “وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ۖ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ” ﴿الأنعام 48﴾ قوله تعالى: “وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ” ﴿الأنعام 48﴾ إلى آخر الآيتين يبين بالآيتين أنهم هم الظالمون، ولا يهلك بعذاب الله إن أتاهم إلا لظلمهم. ولذا غير سياق الكلام فوجه وجه البيان إلى النبي صلَّ الله عليه وآله ليكون هو المخبر عن شأن عذابه فيكون أقطع للعذر وجيء بلفظ المتكلم ليدل به على صدوره من ساحة العظمة والكبرياء. فكان ملخص المضمون أمره تعالى نبيه صلَّ الله عليه وآله أن يقيم عليهم الحجة أن لو أتاهم عذاب الله لم يهلك إلا الظالمين منهم ثم يقول تعالى لرسوله: إنا نحن الملقين إليك الحجة الآتين بالعذاب نخبرك أن إرسالنا الرسل إنما هو للتبشير والإنذار فمن آمن وأصلح فلا عليه، ومن كذب بآياتنا فهو الذي يمسه عذابنا لفسقه وخروجه عن طور العبودية فلينظروا في أمر أنفسهم من أي الفريقين هم؟. وقد تقدم في المباحث السابقة استيفاء البحث عن معنى الإيمان والإصلاح والفسق ومعنى نفي الخوف والحزن عن المؤمنين.

جاء في الألوكة الأدبية واللغوية عن الاشتقاق: تعريفه وأنواعه للدكتور أحمد الخاني: يقول المازني تحت عنوان: ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب: (ألا ترى أنك لم تسمع أنت ولا غيرك كل اسم فاعل ولا مفعول، وإنما سمعت البعض فقست عليه، فإذا سمعت: (قام زيد) أجزت: كَرُم خالد. قال أبو علي: إذا قلت: طاب الخشكنان – مثل البسكويت – فهذا من كلام العرب، لأنك بإعرابك إياه قد أدخلته كلام العرب. وحكى لنا أبو علي عن ابن الأعرابي أظنه قال: يقال: درهمت الخبازي أي: صارت كالدراهم، فاشتق من الدرهم، وهو اسم أعجمي. وحكى أبو زيد: رجل مدرهم، أي: كثير الدراهم، فكل ما قيس على كلامهم فهو من كلامهم. ويتعلق في هذا الباب نقطتان: الأولى: أن قواعد اللغة العربية وقوانينها مطردة، بحيث تستطيع أن تتخذ مجموعة من النماذج أصلًا للكلام على هذه اللغة، والقياس على النماذج المتواترة الواردة إلينا بأكثر من طريقة، هذا هو المنهج للوصول إلى اللغة، وعلى هذا رفعوا الفاعل ونصبوا المفعول، وإن لم يكونوا سمعوا كل فاعل أو مفعول. الثانية: إن القياس على كلام العرب، يفيد ي استعمالنا للألفاظ غير العربية، وقد مارس القدماء موضوع التعريب، ووضعوا لنا فيها أصولًا، وإن كان لا يزال يشغل بال المجمعيين حتى الآن فيما يعرف بتعريب ألفاظ الحضارة، أو الاشتقاق منها، وقد عرض ابن جني هنا، أن الكلمة غير العربية، حين تدخل العربية وتطبعها بطابعها تصير عربية، كما أن الاشتقاق من الألفاظ الأجنبية اشتقاق صحيح، طالما أنه يتفق مع الصيغ العربية المستعملة. وفي العصر الحاضر نستعمل هذا الاشتقاق في كثير من ألفاظ غير عربية فنقول: أمرك ومصر، أي: جعله أمريكيًا ومصريًا، ويقولون في لبنان: تلفن، أي: تحدث بالتلفون وهكذا). ومن أبرز الأمثلة على الاشتقاق من الألفاظ الأجنبية ودخول الكلمة إلى اللغة العربية، الخبر التالي: قُدِّم إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه طعام طيب، فقال: ما هذا؟ فقالوا: اليوم عيد النيروز -من أعياد الفرس- فقال: نيروزنا كل يوم. وكان عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يقول بعد درس العلم: حمضونا. أي: قدموا لنا طرفة أدبية نروِّح بها عن أنفسنا، من نادرة أو أبيات من الشعر الذي يجلب إلى النفس السرور.

وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله جل ثناؤه “وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ۖ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ” ﴿الأنعام 48﴾ الآية الثالثة تشير إلى مركز الأنبياء، فتقول: ليست الأصنام العديمة الروح هي وحدها العاجزة عن القيام بأي أمر، فإن الأنبياء العظام والقادة الإلهيين أيضا لا عمل لهم سوى إبلاغ الرسالة والإنذار والتبشير، فكل ما هنالك من نعم إنّما هي من الله وبأمره، وأنّهم إن أرادوا شيئا طلبوه من الله: “وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ” ﴿الأنعام 48﴾. والاحتمال الآخر في ربط هذه الآية بالآيات السابقة هو أنّ تلك الآيات كانت تتكلم عن البشارة والإنذار، وهنا يدور القول على أنّ هذا هو هدف بعثة الأنبياء، فهم مبشرون ومنذرون. ثمّ تقول: إنّ طريق النجاة ينحصر في أمرين، فالذين يؤمنون ويصلحون أنفسهم و “يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ” فلا خوف عليهم من العقاب الإلهي، ولا حزن على أعمالهم السابقة. “فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ” ﴿الأنعام 48﴾.

جاء في الموسوعة الحرة عن علم الاشتقاق: موضوع علم الاشتقاق: معرفة دلالات الألفاظ وارتباطها ببعض، وذلك بالرجوع إلى أصول معانيها المستنبطة من قياس دلالات الألفاظ المتماثلة المادة. ثمرة علم الاشتقاق: التعمق في فهم كلام العرب، ومن ثَمَّ في فهم كلام الشارع، وكثيرا ما تجد المفسرين يشيرون إشارات عابرة إلى أمثلة من هذا العلم، وكثير من المصنفين في العلوم يشيرون أيضا إليه إشارات عابرة عند شرح بعض الاصطلاحات وبيان وجه الاشتقاق فيها. الواضـع والمؤسس لعلم الاشتقاق: يعد ابن دريد أول من أفرده بتصنيف يشتمل على كثير من أصوله، وابن فارس هو باري قوسه بكتابه معجم مقاييس اللغة، وكذلك بعض المحاولات والمنثورات قبلهما خاصة من قبل الخليل بن أحمد الفراهيدي. حـكم علم الاشتقاق: فرض كفاية؛ كما قرر أهل العلم أن علوم الآلة جميعاً فروض كفاية. فضـل علم الاشتقاق: ما ساعد على فهم النصوص الشرعية فلا شك أنه علم فاضل، ولذلك يكثر دورانه في كتب التفسير، والاستنباطات في الخلافات الفقهية. نسبة علم الاشتقاق: من علوم اللغة العربية مع الإعمال العقلي، ويمكن عده جزءا من علم (فقه اللغة)، وفيه اشتراك مع (علم التصريف) في بعض المباحث من وجه، والفرق بينهما أن علم التصريف يبحث في الأوزان الظاهرة ودلالة كل وزن، أما الاشتقاق فيبحث في الدلالة الباطنة وارتباط المعاني في المادة الواحدة. استمداد علم الاشتقاق: كلام العرب وأحوالهم وإشاراتهم التي يستفاد منها القرائن التي تدل على اتفاق ألفاظ المادة في اللغة. مسائل علم الاشتقاق: الأسماء (أعلاما كانت أو غيرها) والكلمات والمواد العربية والبحث في الأصول المعنوية التي ترجع إليها.

جاء في كتاب علوم القرآن عن القصص القرآنية للسيد محمد باقر الحكيم: أهداف بعثة الأنبياء: بيان أن الغايات والأهداف من ارسال الرسل والأنبياء هي من أجل هداية الناس وارشادهم وحل الاختلافات والحكم بالعدل بينهم ومحاربة الفساد في الأرض، وفوق ذلك كله هو إقامة الحجة على الناس، ولذا جاء استعراض قصص الأنبياء بشكل واسع لبيان هذه الحقائق. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الهدف من القصة في عدة مواضع: “كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ” (البقرة 213). “رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما” (النساء 165). “وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون” (الانعام 48). فإنها وردت في سياق قوله تعالى: “ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون” (الانعام 42). “وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا * وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا” (الكهف 55-56). وكذلك ما ورد في تعقيب قصص الأنبياء من سورة الشعراء من قوله تعالى: “إن في ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم” (الشعراء 158-159).