حرب تلد اخرى ..

حرب تلد أخرى، وهذه هي البداية

كتب رياض الفرطوسي

لا تبدأ الحروب من حيث نظن، ولا تنتهي حين يُقال إنها انتهت. هي كائن حيّ، يتغذى على أخطاء خصومه، وينمو من تناقضاتهم، ويورّث نفسه لنفسه. كل حرب تحمل في رحمها حرباً أخرى، أكثر تعقيداً، وأطول نفساً، وأشد غموضاً.

ما يجري اليوم لا يشبه الحروب التي عرفها العالم في القرن الماضي. لم يعد الهدف إسقاط الأنظمة كما كان يُعلن صراحة، بل إعادة تشكيلها وهي واقفة. الفكرة التي تحكم هذا النمط من الصراع تستدعي، ولو من بعيد، نموذج غزو العراق 2003، حين لم يكن الانتصار عسكرياً فقط، بل تفكيكاً لبنية الدولة نفسها، ودفعها إلى حالة من الفوضى المزمنة.

لكن القياس هنا مضلل. فإيران ليست حالة قابلة للاستنساخ. منذ عام 1979، وهي تعيش في مدار ضغط دائم، حصار، تهديد، ومواجهات غير مباشرة. هذا التاريخ لم يُضعفها بالمعنى البسيط، بل أعاد تشكيلها. جعلها تتقن فن البقاء أكثر من فن الانتصار السريع. دولة لا تراهن على لحظة حاسمة، بل على تراكم بطيء، وعلى قدرة مستمرة في امتصاص الصدمات.

في المقابل، تعتمد القوة الضاربة على إيقاع مختلف، ضربة مكثفة، صدمة كبيرة، محاولة لفرض واقع جديد خلال وقت قصير. إنها سياسة فعّالة حين يكون الخصم هشاً، لكنها تتحول إلى عبء حين يطول الزمن. هنا تبدأ المفارقة، كلما امتدت الحرب، تآكلت جدوى الضربة الأولى، وتحولت القوة إلى اختبار للصبر، لا للقدرة فقط.

اللافت أن ساحة المعركة لم تعد جغرافيا فقط. الاقتصاد جبهة، الطاقة جبهة، الإعلام جبهة، وحتى المزاج العام داخل المجتمعات أصبح ساحة اشتباك. الضغط لا يُمارس عبر الصواريخ وحدها، بل عبر إنهاك الحياة اليومية، وجعل الاستقرار نفسه معركة.

ومع اتساع هذا النمط، تتكاثر الجبهات. من الخليج إلى الممرات البحرية، من الفضاء السيبراني إلى الأسواق العالمية. كل جبهة لا تُغلق، بل تفتح غيرها. وهذا ما يجعل الحرب أقرب إلى شبكة معقدة منها إلى خط مواجهة واضح.

في هذا السياق، تراهن إيران على ما يمكن تسميته “اقتصاد الصبر”. ليس لأنها تملك رفاهية الوقت، بل لأنها اعتادت عليه. توزيع الضغط، تفكيك الصدمة، تحويل الضربات إلى عبء على من أطلقها. هي ليست استراتيجية مثالية، لكنها استراتيجية متكيفة مع واقع طويل الأمد.

وفي قلب هذا المشهد، يبرز عنصر غالباً ما يُساء فهمه، التماسك الداخلي. ليس بمعناه الدعائي، بل كقدرة على الاستمرار رغم التباينات. في لحظات الخطر، تعيد الدول ترتيب نفسها، وتُعيد تعريف أولوياتها. لا تختفي التناقضات، لكنها تُؤجَّل. وهذه القدرة تحديداً هي ما يحدد إن كانت الضربات ستكسر الدولة أم ستعيد تشكيلها.

أما على الضفة الأخرى، فالمعضلة مختلفة. الحروب الطويلة ليست مريحة للقوى الكبرى، لا سياسياً ولا اقتصادياً. الذاكرة لا تزال تحتفظ بصور حروب امتدت أكثر مما يجب، وتحولت من مشاريع حسم سريع إلى استنزاف مفتوح. ومع كل جبهة جديدة، يتسع السؤال، إلى أين تقود هذه الحرب، ومن يملك القدرة على إنهائها.

المنطقة، في هذا كله، ليست مجرد مسرح. هي جزء من المعادلة. أي انزلاق كبير لن يبقى محصوراً، بل سيمتد، إلى الطاقة، إلى التجارة، إلى التوازنات الهشة أصلاً. ولهذا، تبدو الحرب كأنها تسير على حافة هاوية، دون أن يسقط أحد فعلاً، ودون أن يبتعد عنها.

في النهاية، لا أحد يملك هامش الحسم. ما يحدث هو إعادة توزيع للخسائر، وتأجيل للانفجار الكبير. قد تخرج الدول من هذه المرحلة متعبة، مثقلة، لكنها لا تختفي. تتغير، تنكفئ، تعيد بناء نفسها، ثم تعود بشكل مختلف.

هكذا تُكتب الحروب اليوم. لا نهاية واضحة، ولا بداية حقيقية. فقط سلسلة من المواجهات التي تلد بعضها بعضاً. وما نراه الآن، بكل ضجيجه وثقله، ليس الفصل الأخير، بل السطر الأول في فصل أطول.