إدارة الحرب
كتب رياض الفرطوسي
في لحظةٍ يظن فيها العالم أن الحرب قد بدأت، قد يكون ما بدأ فعلاً شيئاً أعمق، إعادة تشكيل الوعي ذاته. فالحرب، حين تتحول من تهديد معلّق إلى فعلٍ قائم، لا تفقد وظيفتها، بل تتكثف، وتكشف بوضوح كيف تُدار السياسة لا بوصفها صراعاً عسكرياً فحسب، بل كصناعة سرديات، وإدارة خوف، وتوزيع أدوار على مسرح عالمي واسع، تتبدل فيه الحقائق كما تتبدل الأضواء.
وإذا كانت التحركات الأخيرة، بما فيها تمديد المهلة من ٤٨ ساعة إلى خمسة أيام، تعكس تذبذباً في القرار، فإنها تكشف في العمق لعبة أخرى، لعبة الزمن نفسه. فالزمن هنا لا يُقاس بالساعات، بل يُستخدم كأداة ضغط، يُبقي الأطراف في حالة توتر دائم، حيث لا يستقر العقل، ولا تتضح الرؤية، وكأن السياسة نفسها تعيش على إيقاع القلق المستمر.
لكن خلف هذا المشهد، يطل سؤال أكثر إلحاحاً، من يملك حق تعريف العدو؟
هنا تحديداً تتجلى واحدة من أقدم آليات السلطة، كما أشار إلى ذلك المفكر الألماني كارل شميت حين ربط السياسة بقدرة تحديد العدو والصديق، فالمعنى لا يولد من القيم، بل من التمييز. العدو، في هذا التصور، ليس كياناً ثابتاً، بل وظيفة متحركة، تُستدعى كلما احتاج النظام إلى تبرير امتداده، أو ضبط مجتمعه، أو إعادة ترتيب أولوياته الاقتصادية والأمنية.
وفي هذا السياق، تتحول مفاهيم كالديمقراطية وحقوق الإنسان إلى لغة مزدوجة، لا لأنها بلا قيمة، بل لأن استخدامها الانتقائي يجعلها عرضة للتأويل السياسي. فحين تُستخدم لتبرير تدخل أو عقوبة، تتحول من معيار أخلاقي إلى أداة خطاب، تُعيد إنتاج العلاقات ذاتها التي يُفترض بها أن تنتقدها.
أما على مستوى المقارنة بين الأنظمة، فالمشهد أكثر تعقيداً مما يبدو في الخطاب السائد. إذ إن توصيف الدول لا يجري دائماً وفق معايير موضوعية، بل ضمن شبكة من التصورات المسبقة والمصالح. وهنا يمكن استحضار ما قاله المفكر السوري طيب تيزيني عن ضرورة قراءة الواقع خارج قوالب الاستشراق والتبسيط، وكذلك نقد الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري لهيمنة أنماط التفكير الجاهزة. فالمسألة ليست في مطابقة الصورة مع الواقع فقط، بل في من يملك حق رسم تلك الصورة من الأساس.
في هذا الإطار، تصبح الاتهامات أو التصنيفات السياسية أحياناً امتداداً لسرديات أكبر، لا مجرد توصيفات قانونية أو أخلاقية. وهذا ما يجعل الخطاب الدولي، في كثير من الأحيان، أقرب إلى رواية متداولة منه إلى حكم موضوعي.
وإذا كان المفكر الإيراني الأميركي حميد دباشي قد تساءل عن مركزية المعرفة، فإن السؤال اليوم يمتد إلى السياسة ذاتها، من يملك حق تعريف العالم، ومن يملك حق تسمية الآخر، ومن يقرر أين تبدأ الديمقراطية وأين ينتهي الاستبداد؟
التاريخ الحديث لا يقدم إجابات سهلة، بل تراكمات من العنف والتدخلات، من الحروب المباشرة إلى حروب الوكالة، ومن الانقلابات إلى إعادة تشكيل الأنظمة. وكما أشار المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي، فإن القوة لا تعمل فقط عبر ما تفعله، بل عبر ما تبرره وتخفيه في آنٍ معاً. فالسردية ليست تابعة للحقيقة، بل شريكة في صناعتها.
وفي هذا السياق، لا تبدو الحرب حدثاً منفصلاً، بل جزءاً من بنية أوسع، تُبقي التهديد قائماً كي تضمن استمرار النظام. فوجود العدو ليس خللاً، بل ضرورة، لأن النظام الذي يفقد عدوه يفقد توازنه، كما يفقد القدرة على تعريف نفسه.
وهكذا، لا تُقاس الحرب بعدد الأيام التي تستغرقها، ولا بعدد الصواريخ التي تُطلق، بل بقدرتها على إعادة تشكيل الوعي، وعلى تثبيت سرديات بعينها، وعلى جعل الخوف جزءاً من الحياة اليومية. أما الحقيقة، فغالباً ما تُدفع إلى الهامش، تنتظر لحظة لا تحتاج فيها إلى عدو كي تُرى، ولا إلى حرب كي تُصدّق.