الحشد الشعبي .. كبش الفداء الدائم !!

رياض سعد

إنَّ الدمَ واللحم العراقيَّ مرٌّ لا يَهنأُ آكلهُ قطّ، وقد قلت ذلك مرارًا وتكرارًا، وأُعيد التأكيد عليه ألفَ مرةٍ، لأنَّ الوقائع تثبته كلَّ يوم… .
وفي خضمِّ التحولات الأمنية والسياسية التي يشهدها العراق والمنطقة، تعود قضية استهداف الحشد الشعبي إلى الواجهة بوصفها واحدةً من أكثر الملفات تعقيدًا وتشابكًا، لما تنطوي عليه من أبعادٍ داخليةٍ وخارجيةٍ متداخلة .
لقد شكَّل الحشد الشعبي، منذ تأسيسه في سياق مواجهة تنظيم داعش، ظاهرةً عسكرية-اجتماعيةً مركبة، امتزجت فيها دوافع العقيدة بالوطنية، وتقاطعت فيها الإرادات الشعبية مع ضرورات الدولة.
ويمكن النظر إلى هذا التشكيل بوصفه إطارًا واسعًا يضمُّ أطيافًا متعددة، منها فصائل مقاومة ذات ارتباطات إقليمية، وأخرى نشأت لمواجهة الاحتلال، إضافةً إلى متطوعين لبّوا نداء المرجعية الدينية، ومجاميع مستقلة دفعتها الحماسة الوطنية للدفاع عن البلاد… ؛ و وهذا التنوع منح الحشد قوةً بشريةً كبيرة، لكنه في الوقت نفسه جعله عرضةً لتفسيراتٍ سياسيةٍ متباينة .
ومع انتهاء المعارك الكبرى ضد الإرهاب، لم ينتهِ الجدل حول دور الحشد وموقعه في بنية الدولة… ؛ بل إنَّ المرحلة اللاحقة شهدت تصاعدًا في الاستهدافات التي تُنسب إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، مع حديثٍ متكرر عن أدوارٍ غير مباشرة لبعض الأطراف الإقليمية… ؛ و هذه الاستهدافات، سواء كانت دقيقةً أو واسعة النطاق، تطرح إشكاليةً جوهرية: هل هي موجهة ضد فصائل محددة، أم أنها تتخذ طابعًا أشمل يطال بنية الحشد ككل؟
من الناحية العسكرية، يُفترض أن تكون الضربات المحددة قائمةً على معلومات استخبارية تستهدف عناصر أو مواقع بعينها… ؛ غير أنَّ توسيع دائرة الاستهداف ليشمل أفرادًا أو مواقع لا ترتبط مباشرةً بعمليات عسكرية تستهدف المصالح الامريكية ، يفتح الباب أمام اتهاماتٍ بالعقاب الجماعي، وهو أمرٌ يثير تساؤلاتٍ قانونيةً وأخلاقية، فضلًا عن تداعياته الأمنية… ؛ إذ إنَّ إضعاف أي قوةٍ شاركت في قتال الإرهاب قد يخلق فراغًا تستفيد منه الخلايا النائمة أو التنظيمات المتطرفة .
أما سياسيًا، فإنَّ هذا النمط من الاستهداف ينعكس على الداخل العراقي بطرقٍ متعددة… ؛ فهو قد يُعمِّق الانقسام بين القوى السياسية، ويزيد من حدة الخطاب الشعبي، ويغذي مشاعر الغضب لدى شريحةٍ واسعة من المجتمع، خصوصًا في البيئات التي قدّمت تضحياتٍ كبيرة خلال سنوات الحرب… ؛ كما أنَّ استمرار الضربات العدوانية الامريكية والاسرائيلية وغيرهما قد يُفسَّر على أنه مساسٌ بالسيادة الوطنية، ما يضع الحكومة أمام تحدي الموازنة بين التزاماتها الدولية ومتطلبات الاستقرار الداخلي .
وفي المقابل، لا يمكن إغفال أنَّ بعض الفصائل داخل الحشد تُتَّهم بتنفيذ أو تبنّي عمليات خارج إطار الدولة، وهو ما تستخدمه الأطراف الخارجية مبررًا لاستهدافها… ؛ وهنا تبرز معضلة أساسية: غياب الفصل الواضح بين مكونات الحشد المختلفة، الأمر الذي يجعل أي تصعيدٍ موجَّهٍ نحو جزءٍ منه قابلًا للامتداد إلى بقية الأجزاء، سواء عن قصدٍ أو نتيجةً لالتباس المشهد .
إنَّ الحديث عن دور بعض الدول الخليجية، سواء عبر دعمٍ مباشر أو غير مباشر، يبقى في إطار التقارير والتحليلات التي تحتاج إلى أدلةٍ قاطعة… ؛ إلا أنَّ المؤكد هو أنَّ الساحة العراقية أصبحت مجالًا لتقاطع مصالح إقليمية ودولية، حيث تتداخل حسابات الأمن مع السياسة، وتتقاطع الأجندات في بيئةٍ شديدة الحساسية .
وعلى الصعيد الاجتماعي، فإنَّ تكرار الاستهدافات يترك أثرًا عميقًا في الوعي الجمعي… ؛ فالمجتمعات التي دفعت أثمانًا بشريةً كبيرة تميل إلى التماسك حول رموزها، وقد يؤدي ذلك إلى تعزيز حالة التعاطف مع الحشد، بغض النظر عن التباينات السياسية حوله… ؛ كما أنَّ استمرار التوتر قد يدفع بعض الأفراد إلى تبني مواقف أكثر تشددًا، وهو ما لا يخدم استقرار البلاد على المدى الطويل .
إنَّ المعالجة الواقعية لهذا الملف تتطلب مقاربةً شاملة تقوم على عدة مسارات:
أولها تعزيز سيادة الدولة من خلال تنظيم العلاقة بين مختلف التشكيلات المسلحة ودمجها ضمن الأطر الرسمية بشكلٍ واضح.
وثانيها اعتماد مبدأ التمييز بين الجهات والأفراد في أي إجراء أمني أو عسكري، لتجنب تعميم المسؤولية.
وثالثها فتح قنوات حوارٍ إقليمية ودولية تخفف من حدة التوتر وتحدُّ من تحويل العراق إلى ساحة صراعٍ مفتوح .
وفي الختام، يبقى العراق أمام معادلةٍ دقيقة: الحفاظ على قوةٍ ساهمت في حماية البلاد من أخطر تهديدٍ أمني، وفي الوقت نفسه ضمان خضوع هذه القوة لمنظومة الدولة والقانون… ؛ وبين هذين الحدّين، تتحدد ملامح الاستقرار أو الاضطراب في المرحلة المقبلة، في ظل بيئةٍ إقليميةٍ لا تزال تعجُّ بالصراعات والتنافسات .