ترامب خارج النص
كتب رياض الفرطوسي
في السياسة، أخطر ما يمكن أن يحدث ليس الخطأ، بل الاعتقاد بأن الخطأ يمكن تسويقه كنجاح. هنا يقف دونالد ترامب، لا كرجل دولة بقدر ما هو صانع مشهد، يخلط بين الأداء والقرار، بين الضجيج والنتيجة، حتى يكاد العالم ينسى الفرق.
ترامب لا يتحرك وفق مدرسة استراتيجية معروفة، بل وفق حدسٍ مضارب، يشبه لاعباً في سوق مفتوحة أكثر منه قائداً في نظام دولي معقد. يختبر، يندفع، يتراجع، ثم يعلن أنه كان يقصد ذلك منذ البداية. هذه المرونة، التي تبدو للبعض ذكاءً، تحمل في داخلها هشاشة عميقة، لأنها بلا مرجعية ثابتة، وبلا بوصلة تتجاوز اللحظة.
المعضلة ليست في أسلوبه فقط، بل في البيئة التي يعتقد أنها تشبهه. العالم، في نظره، قابل للتفكيك إلى صفقات، إلى أوراق ضغط، إلى مكاسب وخسائر فورية. لكن ثمة مجتمعات لا تتصرف بهذه الطريقة، لا تقيس الزمن باليوم ولا القرار برد الفعل. هناك، تتراكم الأشياء ببطء، ويُدار الصراع كحالة ممتدة، لا كجولة سريعة.
حين يلتقي هذا المنطق المتعجل مع بنية أكثر صبراً، يحدث سوء تقدير قاتل. لأن الطرف الأول ينتظر نتيجة، بينما الطرف الثاني يبني مساراً. الأول يعتقد أن الضغط سيكسر، والثاني يراه اختباراً. وبين هذا وذاك، تتآكل الحسابات، لا بالهزيمة المباشرة، بل باستنزاف المعنى نفسه.
ما يميز ترامب أنه لا يخشى التناقض، بل يستخدمه. يمكن أن يقول الشيء ونقيضه خلال أيام، ويترك الآخرين يتصارعون مع تفسير كلماته. هذه ليست فوضى عشوائية تماماً، بل طريقة لإبقاء الجميع في حالة ترقب دائم. غير أن هذه اللعبة تفترض أن الخصم سيتعب أولاً، وهو افتراض لا يصمد دائماً.
في العمق، هناك خلل في فهم القوة. القوة ليست فقط القدرة على الإيذاء، بل القدرة على الاحتمال. ليست فقط في المبادرة، بل في الاستمرار. وحين تُستخدم القوة بلا تصور طويل، تتحول إلى عبء على صاحبها، لأنه يصبح مطالباً بنتائج لا يستطيع فرضها.
الأمر لا يتعلق بشخص واحد فقط، بل بنمط قيادة يختصر العالم في إرادة فرد. في هذا النمط، تتحول المؤسسات إلى أدوات تنفيذ، ويصبح الولاء بديلاً عن الكفاءة. وحين تضيق الخيارات، لا يبقى أمام هذا القائد سوى خيارين، التصعيد أو التبرير. وكلاهما، في لحظة معينة، يفقد فعاليته.
الأخطر أن هذا الأسلوب ينتج ضجيجاً يغطي على الفراغ. كثير من القرارات تبدو كبيرة، لكنها في الحقيقة مؤقتة، أشبه بمناورات لكسب الوقت، لا لحسم المسار. ومع مرور الوقت، يبدأ هذا الضجيج بفقدان تأثيره، لأن العالم يتعلم كيف يتجاهله.
في المقابل، هناك من لا يحتاج إلى هذا الضجيج. من يراكم بصمت، يختبر حدود خصمه، ويستثمر في الزمن كأداة. هنا يصبح الصراع غير متكافئ، ليس في القوة، بل في تعريفها. طرف يستهلك أوراقه بسرعة، وآخر يحتفظ بها لمرحلة أطول.
في لحظة ما، يكتشف من يركض أنه لم يقترب من النهاية، بل ابتعد عنها. وأن ما اعتبره سيطرة، لم يكن سوى حركة داخل مساحة أوسع لا يملكها. حينها، لا يكون الانسحاب قراراً شجاعاً، بل ضرورة مؤجلة.
ترامب، في هذا السياق، ليس استثناءً بقدر ما هو تجسيد مكثف لعصرٍ يخلط بين السياسة والاستعراض. عصر يمكن فيه لتصريح واحد أن يهز الأسواق، لكن لا يستطيع أن يغير حقائق أعمق تتشكل بعيداً عن الكاميرات.
وهنا المفارقة، من يراهن على اللحظة، يخسر الزمن. ومن يراهن على الزمن، لا يحتاج إلى أن يربح كل اللحظات.