آيات القسم (فلا أقسم بمواقع النجوم، فلا أقسم بما تبصرون)

د. فاضل حسن شريف

جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى “فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ” ﴿الواقعة 75﴾ “لا أقسم” قسم وقيل: لا زائدة وأقسم هو القسم، وقيل: لا نافية وأقسم هو القسم. و “مواقع” جمع موقع وهو المحل، والمعنى: أقسم بمحال النجوم من السماء، وقيل: مواقع جمع موقع مصدر ميمي بمعنى السقوط يشير به إلى سقوط الكواكب يوم القيامة أو وقوع الشهب على الشياطين، أو مساقط الكواكب في مغاربها، وأول الوجوه هو السابق إلى الذهن. قوله تعالى: “وإنه لقسم لو تعلمون عظيم” تعظيم لهذا القسم وتأكيد على تأكيد. قوله تعالى: “إنه لقرآن كريم” إلى قوله “من رب العالمين” لما كان إنكارهم حديث وحدانيته تعالى في ربوبيته وألوهيته وكذا إنكارهم للبعث والجزاء إنما أبدوه بإنكار القرآن النازل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي فيه نبأ التوحيد والبعث كان إنكارهم منشعبا إلى إنكار أصل التوحيد والبعث أصلا، وإلى إنكار ذلك بما أن القرآن ينبئهم به، فأورد تعالى أولا بيانا لإثبات أصل الوحدانية والبعث بذكر شواهد من آياته تثبت ذلك وهو قوله: “نحن خلقناكم” إلى قوله “ومتاعا للمقوين”، وثانيا بيانا يؤكد فيه كون القرآن الكريم كلامه المحفوظ عنده النازل منه ووصفه بأحسن أوصافه. فقوله: “إنه لقرآن كريم” جواب للقسم السابق، الضمير للقرآن المعلوم من السياق السابق ويستفاد من توصيفه بالكريم من غير تقييد في مقام المدح أنه كريم على الله عزيز عنده وكريم محمود الصفات وكريم بذال نفاع للناس لما فيه من أصول المعارف التي فيها سعادة الدنيا والآخرة. قوله سبحانه “فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ” ﴿الحاقة 38﴾ ظاهر الآية أنه إقسام بما هو مشهود لهم وما لا يشاهدون أي الغيب والشهادة فهو إقسام بمجموع الخليقة ولا يشمل ذاته المتعالية فإن من البعيد من أدب القرآن أن يجمع الخالق والخلق في صف واحد ويعظمه تعالى وما صنع تعظيما مشتركا في عرض واحد. وفي الإقسام نوع تعظيم وتجليل للمقسم به وخلقه تعالى بما أنه خلقه جليل جميل لأنه تعالى جميل لا يصدر منه إلا الجميل وقد استحسن تعالى فعل نفسه وأثنى على نفسه بخلقه في قوله: “الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ” (السجدة 7) وقوله: ” فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ” (المؤمنون 14) فليس للموجودات منه تعالى إلا الحسن وما دون ذلك من مساءة فمن أنفسها وبقياس بعضها إلى بعض. وفي اختيار ما يبصرون وما لا يبصرون للأقسام به على حقية القرآن ما لا يخفى من المناسبة فإن النظام الواحد المتشابك أجزاؤه الجاري في مجموع العالم يقضي بتوحده تعالى ومصير الكل إليه وما يترتب عليه من بعث الرسل وإنزال الكتب والقرآن خير كتاب سماوي يهدي إلى الحق في جميع ذلك وإلى طريق مستقيم. ومما تقدم يظهر عدم استقامة ما قيل: إن المراد بما تبصرون وما لا تبصرون الخلق والخالق فإن السياق لا يساعد عليه، وكذا ما قيل: إن المراد النعم الظاهرة والباطنة، وما قيل: إن المراد الجن والإنس والملائكة أو الأجسام والأرواح أو الدنيا والآخرة أو ما يشاهد من آثار القدرة وما لا يشاهد من أسرارها فاللفظ أعم مدلولا من جميع ذلك.

جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى “فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ” ﴿الواقعة 75﴾ ولا زائدة والمعنى فأقسم عن سعيد بن جبير ويجوز أن يكون لا ردا لما يقوله الكفار في القرآن من أنه سحر وشعر وكهانة ثم استأنف القسم فقال أقسم وقيل أن لا تزاد في القسم فيقال لا والله لا أفعل وقال امرؤ القيس: لا وأبيك ابنة العامري * لا يدعي القوم أني أفر. والمعنى وأبيك وقيل أن المعنى لا أقسم على هذه الأشياء فإن أمرها أظهر وآكد من أن يحتاج فيه إلى اليمين عن أبي مسلم واختلف في معنى “مواقع النجوم” فقيل هي مطالع النجوم ومساقطها عن مجاهد وقتادة وقيل انكدارها وهو انتشارها يوم القيامة عن الحسن وقيل هي الأنواء التي كان أهل الجاهلية إذا مطروا قالوا مطرنا بنوء كذا فيكون المعنى فلا أقسم بها وروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليه السلام أن مواقع النجوم رجومها للشياطين وكان المشركون يقسمون بها فقال سبحانه (فلا أقسم بها) وقيل معناه أقسم بنزول القرآن فإنه نزل متفرقا قطعا نجوما عن ابن عباس. “وإنه لقسم لو تعلمون عظيم” قال الزجاج والفراء وهذا يدل على أن المراد بمواقع النجوم نزول القرآن والضمير في إنه يعود إلى القسم ودل عليه قوله “أقسم” والمعنى أن القسم بمواقع النجوم لقسم عظيم لو تعلمون ففصل بين الصفة والموصوف بالجملة ثم ذكر المقسم به فقال “إنه لقرآن كريم” معناه إن الذي تلوناه عليك لقرآن كريم أي عام المنافع كثير الخير ينال الأجر العظيم بتلاوته والعمل بما فيه وقيل كريم عند الله تعالى أكرمه الله تعالى وأعزه لأنه كلامه عن مقاتل وقيل كريم لأنه كلام رب العزة ولأنه محفوظ عن التغيير والتبديل ولأنه معجز ولأنه يشتمل على الأحكام والمواعظ وكل جليل خطير وعزيز فهو كريم.

جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله سبحانه “فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ” ﴿الحاقة 38﴾ المعروف أن كلمة (لا ) زائدة وللتأكيد في مثل هذه الموارد، ولكن ذهب البعض إلى أن (لا ) تعطي معنى النفي أيضا، ويعني ذلك أنني لا أقسم بهذا الأمر، لأنه أولا: لا توجد ضرورة لمثل هذا القسم. وثانيا: يجب أن يكون القسم باسم الله، إلا أن هذا القول ضعيف، والمناسب هو المعنى الأول، إذ ورد في القرآن الكريم قسم باسم الله وبغيره في الكثير من الآيات. جملة “بما تبصرون وما لا تبصرون” لها معنى واسع، حيث تشمل كل ما يراه البشر وما لا يراه، وبعبارة أخرى تشمل كل عالم (الشهود ) و (الغيب ). وقد ذكرت إحتمالات أخرى لتفسير هاتين الآيتين، منها: أن المقصود من عبارة “بما تبصرون” هو عالم الخلقة، ومن “وما لا تبصرون” هو الخالق عز وجل. وقيل إن المقصود بالأولى هو النعم الظاهرية، وفي الثانية النعم الباطنية. أو أن المقصود بهما: البشر والملائكة على التوالي، أو الأجسام والأرواح، أو الدنيا والآخرة. إلا أن سعة مفهوم هاتين العبارتين يمنع من تحديدهما. وبناء على هذا فإن كل ما يدخل في دائرة المشاهدة وما هو خارج عنها مشمول للقسم، إلا أنه يستبعد شمولهما للبارئ عز وجل، بلحاظ أن جعل الخالق مقترنا بالخلق أمر غير مناسب، خصوصا مع تعبير (ما ) الذي جاء في الآية الكريمة والذي يستعمل في الغالب لغير العاقل. ويستفاد ضمنا من هذا التعبير بصورة جيدة أن الأمور والأشياء التي لا يراها الإنسان كثيرة جدا، وقد أثبت العلم الحديث هذه الحقيقة، وهي أن المحسوسات التي تحيطنا تشمل دائرة محدودة من الموجودات والأشياء غير المحسوسة سواء في مجال الألوان والأصوات والأمواج والمذاقات وغيرها هي في الواقع أوسع دائرة من الأمور الحسية. فالنجوم التي يمكن رؤيتها في مجموع نصفي الكرة الأرضية بحدود خمسة آلاف نجمة، طبقا لحسابات علماء الفلك، أما النجوم التي لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة فهي تعد بالمليارات. والأمواج الصوتية التي تستطيع اذن الإنسان سماعها هي أمواج محدودة، أما الأمواج الصوتية الأخرى التي لا تستطيع الاذن سماعها فتقدر بالآلاف. وبالنسبة للألوان التي نستطيع رؤيتها فهي سبعة ألوان معروفة، وقد أصبح من المسلم اليوم وجود ما لا نهاية له من الألوان الأخرى، كلون ما وراء البنفسجي، وما دون الأحمر، حيث لا يمكن أن تراها أعيننا. أما عدد الحيوانات المجهرية التي لا ترى بالعين المجردة فهي كثيرة جدا إلى حد أنها ملأت جميع العالم، إذ توجد في قطرة الماء أحيانا آلاف الآلاف منها، فما أضيق تفكير من يضع نفسه في إطار المحسوسات المادية فقط، ويبقى جاهلا لأمور كثيرة لا تستطيع الحواس أن تدركها، أو أنه ينكرها أحيانا؟ لقد أثبتت الدلائل العقلية والتجريبية أن عالم الأرواح عالم أوسع بكثير من عالم أجسامنا، فلماذا نحبس أنفسنا وعقولنا في إطار المحسوسات؟ ثم تستعرض الآية اللاحقة جواب هذا القسم العظيم، حيث يقول تعالى بأن هذا القرآن هو قول رسول كريم: “إنه لقول رسول كريم”. والمقصود من الرسول هنا بدون شك هو الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم ) وليس جبرائيل، لأن الآيات اللاحقة تبين هذا المعنى بوضوح. والسبب في نسبة القرآن إلى الرسول بالرغم من أننا نعرف أنه قول الله تعالى، لأن الرسول مبلغ عنه، وخاصة أن الآية ذكرت كلمة ” رسول ” وهذا يعني أن كل ما يقوله الرسول فهو قول مرسله، بالرغم من أنه يجري على لسان الرسول، ويسمع من فمه الشريف.