ضياء المهندس
على مدى قرن ونصف ظلّت قناة السويس الممر البحري الأهم الذي يربط الشرق بالغرب، ومحوراً استراتيجياً للتجارة العالمية، ومصدراً أساسياً للدخل القومي المصري. لكن خلال السنوات الأخيرة برزت مشاريع بديلة — بعضها قيد التنفيذ وبعضها الآخر لا يزال في حدود المخططات — ما أثار مخاوف حقيقية من تغيّر خريطة النقل الدولي. أبرز هذه المشاريع: الممر الاقتصادي IMEC الذي يربط الهند بأوروبا عبر الخليج وشرق المتوسط، وقناة بن غوريون التي تُطرح كمنافس مباشر لقناة السويس.
ورغم أن هذه المشاريع لم تصل بعد إلى مرحلة “كسر الاحتكار المصري” لطريق آسيا–أوروبا، إلا أنها تشكّل تحدياً استراتيجياً لا يمكن تجاهله.
◼ الممر الاقتصادي IMEC… المشروع الذي يعيد رسم طريق الهند إلى أوروبا
أُعلن عن مشروع India–Middle East–Europe Economic Corridor في سبتمبر 2023، بدعم من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والهند، وبمشاركة دول خليجية. ويقوم IMEC على الربط بين:
الهند بحراً إلى الموانئ الخليجية.
الخليج براً عبر شبكة سكك حديدية تمتد إلى الأردن و”إسرائيل”.
حيفا بحراً إلى أوروبا.
ورغم أن الممر لا يزال قيد التخطيط، إلا أنه يتمتع بدعم سياسي كبير. ويُروَّج له باعتباره وسيلة لتقليل زمن الشحن بنسبة قد تصل إلى 40% مقارنة بالمسار التقليدي عبر قناة السويس، وهو ما يجعله منافساً محتملاً للممر المصري مستقبلاً.
ومع أن كلفة النقل البري ما تزال أعلى من النقل البحري، إلا أن الأهمية الجيوسياسية للمشروع تمنحه زخماً قد يُترجم إلى تنفيذ فعلي خلال العقد القادم.
◼ قناة بن غوريون… المشروع الأكبر والأكثر إثارة للجدل
بينما يبقى IMEC مشروعاً اقتصادياً، فإن قناة بن غوريون مشروع استراتيجي–سياسي بالدرجة الأولى.
الفكرة تقوم على شق قناة مائية تمتد من خليج العقبة إلى البحر الأبيض المتوسط، على مسافة تقارب 292 كيلومتراً — أي أطول بنحو الثلث من قناة السويس البالغ طولها 193 كيلومتراً.
وتتراوح تقديرات التكلفة بين 15 و55 مليار دولار، فيما تشير دراسات مستقلة إلى إمكانية تجاوزها حاجز 80 ملياراً بسبب الطبيعة الجغرافية المعقدة لمنطقة النقب ووادي عربة.
حتى الآن، المشروع لم ينتقل إلى مرحلة التنفيذ، لكنه يبقى ورقة ضغط سياسية، واستثماراً محتملاً للدول التي تسعى لإعادة تشكيل طرق التجارة العالمية بعيداً عن السيطرة المصرية.
◼ كيف سيتأثر الاقتصاد المصري؟
وفق تقديرات اقتصادية حديثة، تُسهم قناة السويس بنحو 2% من الناتج المحلي المصري، وتوفر للدولة إيرادات تتراوح بين 9 و12 مليار دولار سنوياً. وهي ثاني أكبر مصدر للعملة الصعبة بعد تحويلات المغتربين.
أي منافسة حقيقية — حتى لو كانت جزئية — قد تؤثر على:
عدد السفن العابرة
رسوم العبور السنوية
حجم الاستثمار في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس
كما أن ارتفاع المنافسة قد يدفع خطوط الشحن العالمية إلى إعادة التفاوض بشأن الأسعار وشروط العبور.
◼ هل قناة السويس مهددة فعلاً؟
تشير القراءة المهنية إلى أن التهديد ليس فورياً، وأن قناة السويس ما تزال الأكثر قدرة على استيعاب الضغوط للأسباب التالية:
البنية التحتية جاهزة بالفعل، بينما مشاريع البدائل تحتاج سنوات من العمل والاستقرار.
أمان الملاحة في قناة السويس أعلى من الممرات البرية المعرضة للمخاطر السياسية.
تكلفة النقل البحري أقل بكثير من النقل البري عبر الصحراء.
قناة بن غوريون تواجه تحديات بيئية وسياسية ضخمة تجعلها بعيدة المنال حالياً.
ومع ذلك، فإن تجاهل منافسة IMEC سيكون خطأ استراتيجياً، خصوصاً إذا اكتمل المشروع خلال العقد القادم.
◼ ماذا يجب على مصر أن تفعل؟
توصيات الخبراء تركز على أربعة مسارات رئيسية:
الاستمرار في تحديث القناة وتوسعة ممراتها لزيادة استيعاب السفن العملاقة.
تعزيز المنطقة الاقتصادية حول القناة كمركز صناعي عالمي وليس مجرد ممر عبور.
تقديم حوافز للشركات العالمية لضمان استمرار اعتمادها على القناة.
التحرك دبلوماسياً لضمان عدم استخدام المشاريع البديلة كأدوات ضغط سياسي.
◼ الخلاصة
الممران اللذان يكثر الحديث عنهما — IMEC وقناة بن غوريون — لا يشكلان اليوم بديلاً جاهزاً لقناة السويس، لكنهما يعكسان تحوّلات كبرى في جغرافية التجارة الدولية.
ومصر، التي استفادت لعقود من موقعها الجغرافي، بحاجة إلى استراتيجية شاملة تحافظ على دور القناة في عالم متغيّر لا يعترف بالثوابت.
المعركة اليوم ليست على “ممر بحري”، بل على حصة في الاقتصاد العالمي… ومن يتأخر عن تطوير موقعه يفقد مكانته مهما كانت قوته التاريخية.
البروفيسور د.ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي