خرابٌ يبدأ بصمت

رياض الفرطوسي

ليست الحروب تلك اللحظة الصاخبة التي تُبث على الشاشات، بل ما يسبقها، ما ينمو في الظل، ببطء، حتى يصير الانفجار نتيجة طبيعية لا مفاجأة. هناك، في ذلك الصمت الطويل، تتصدع فكرة “العقد الاجتماعي”، لا بوصفها نظرية، بل كخيط خفي يشدّ المجتمع إلى نفسه.

لم يكن باروخ سبينوزا (فيلسوف هولندي من القرن السابع عشر، عُرف بدفاعه الجريء عن الحرية والعقل) مفتوناً بالدولة بقدر ما كان قلقاً من طبيعتها. رأى أن العقد الاجتماعي لا يُبنى على الخوف وحده، بل على قدرة الناس على الاحتفاظ بجوهر حريتهم وهم داخل الجماعة. الدولة، في نظره، ليست سجناً كبيراً، بل أداة لضبط القوة لا لمصادرتها. وحين تفشل في ذلك، لا تنهار فوراً، لكنها تفقد معناها تدريجياً، كجسد ما زال واقفاً لكنه بلا روح.

أما ديفيد هيوم (فيلسوف اسكتلندي تجريبي )، فقد شكّك أصلًا في فكرة أن العقد الاجتماعي كان اتفاقاً حقيقياً. لم يرَ في الدولة نتيجة تعاقد واعٍ، بل حصيلة تراكمات، عادات، وقوة فرضت نفسها ثم اكتسبت مع الزمن مظهر الشرعية. هذه النظرة، بقدر ما تبدو باردة، تكشف جانباً حاداً من الحقيقة، كثير من الأنظمة لا تقوم على رضا الناس، بل على اعتيادهم، أو عجزهم عن التغيير.

لكن الاعتياد لا يصمد إلى الأبد.

حين تتغير الظروف، أو تتراكم الضغوط، يبدأ ذلك “الرضا الصامت” بالتآكل. وهنا يظهر ما لم يكن مرئياً، هشاشة العقد الاجتماعي. لا يعود الناس مقتنعين بأن الدولة تمثلهم، ولا بأن القانون يحميهم. وفي هذه اللحظة تحديداً، يصبح المجتمع أقرب إلى حافة الانفجار، حتى لو بدا من الخارج مستقراً.

ثم يأتي ألكسيس دو توكفيل (مفكر فرنسي درس الديمقراطية وحذّر من الاستبداد الناعم) ، ليضيف طبقة أخرى من القلق. لم يخشَ الاستبداد التقليدي فقط، بل حذر من استبداد ناعم، يتسلل عبر البيروقراطية، ويحوّل المواطنين إلى أفراد معزولين، فاقدين للتأثير. في هذا المناخ، لا ينهار العقد الاجتماعي بصخب، بل يذوب، وتتحول السياسة إلى إدارة، والمجتمع إلى جمهور صامت.

وهنا، تصبح الحرب ممكنة، ليس فقط لأن الدولة قوية، بل لأنها بعيدة.

في القرن العشرين، ذهب ميشيل فوكو (فيلسوف فرنسي حلّل علاقات السلطة والمعرفة) أبعد من ذلك، حين قلب العلاقة رأساً على عقب. لم يعد العقد الاجتماعي، في نظره، مجرد اتفاق ينظم السلطة، بل شبكة من القوى تتسلل إلى أدق تفاصيل الحياة. السلطة لا تمارس نفسها فقط عبر القوانين، بل عبر المؤسسات، الخطاب، وحتى تعريف ما هو “طبيعي”. في هذا السياق، لا تكون الحرب دائماً مواجهة بين جيوش، بل قد تكون امتداداً لصراعات كامنة داخل المجتمع نفسه، صراعات على المعرفة، الهوية، والمعنى.

أما حنة أرندت (فيلسوفة المانية سياسية حلّلت الاستبداد والعنف)، فقد رأت أن أخطر ما يهدد العقد الاجتماعي ليس العنف، بل فقدان السياسة نفسها. حين يُقصى الناس من الفعل العام، وحين يُختزل الحكم في إدارة أو قهر، يصبح العنف البديل الوحيد المتاح. ليس لأنه مرغوب، بل لأنه آخر ما تبقى.

في الشرق الأوسط، تبدو هذه الأفكار كأنها تُكتب الآن، لا قبل قرون. العقد الاجتماعي في كثير من دول المنطقة لم ينكسر فجأة، بل تآكل عبر سنوات من الوعود المؤجلة، والعدالة المنقوصة، والخوف المُدار بعناية. الدولة حاضرة بقوة، لكنها غائبة كمعنى. والمجتمع موجود، لكنه مفكك، موزع بين هويات وخطوط تماس.

في هذا الفراغ، لا تحتاج الحرب إلى كثير من الجهد كي تبدأ. يكفي أن يفقد الناس الثقة، أن يشعروا بأن العقد الاجتماعي لم يعد يعبر عنهم، ولا يحميهم، ولا يمنحهم مكاناً فيه. عندها، يصبح العنف لغة، لا خياراً، والاقتتال نتيجة، لا استثناء.

المفارقة أن الجميع يتحدث عن الأمن، لكن قلّة فقط تتحدث عن أساسه. الأمن ليس فائض قوة، بل نتيجة عقد اجتماعي متماسك. وحين يُختزل في القمع، يتحول إلى نقيضه، إلى خوف دائم، يولّد ما يحاول منعه.

ربما لا نحتاج إلى إعادة اختراع العقد الاجتماعي، بقدر ما نحتاج إلى استعادته من التشويه. أن يعود فكرة بسيطة، لكنها شاقة، أن يعيش الناس معًا، لا فوق بعضهم، وأن تكون الدولة تعبيراً عنهم، لا عبئاً عليهم.

لأن الحروب، مهما بدت معقدة، تبدأ من لحظة بسيطة جداً، حين يتوقف المجتمع عن تصديق أنه مجتمع أصلاً.