عقيدة الزيدية والقرآن الكريم من سورة هود (ح 38) (عقيدة الخلود)

د. فاضل حسن شريف

أجاب الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي عليه السلام، على مسألة ابنه محمد: (وسَألته: عَن قول الله: “خَالدين فِيها مَا دَامَت السّموات والأرض إلاَّ مَا شَاء ربّك ” (هود 107) ؟ فقال: خَبر مِن الله مِن القُدرَة والاقتدار على كل شيء، وليسَ هُو خَبَرُ أنَّ الله مُخرِجٌ مِنَ النّار بَعد دُخولِهَا أحداً، وَلو خَرَج مِنهَا خَارِجٌ بَعد دُخولِها لَم يَكن فِيها مُخَلَّداً، وقَد قال الله في غَير مكان “خالدينَ فِيها”، “وَمَا هُم مِنهَا بِمُخرَجِين” (الحجرات 48))

جاء في موقع الزيدي عن عقيدة الخلود في ميزان الثقلين (كتاب الله – أهل البيت): قال الله تعالى: “وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ * وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ * يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ” (الأنعام 128-130). الشّاهد: هُنا تأمّل قول الله تعالى في حقّ الكافرين من غير أهل القبلة: “خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ”، تأمّل مشيئة الله هُنا في حقّ الكفّار غير المسلمين، هل مضمونها أن يُخرِجَهم الله من النّار؟ أم يُخلِّدَهم؟ إن قُلتُم: بل يُخرجُهُم من النّار فقد خرجتُم على إجماع الأمّة بما فيهم أنفُسَكُم، فالكفّار على شرطكم خالدون مخلّدون في النّار، لا تنالهم شفاعة الرّسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولا رحمة الله عزّ وجل. إمّا إن قُلتُم: لا يُخرَجون من النّار فمشيئة الله فيهم الخلود فيها أبداً. قُلنا: فَلِمَ تحتجّونَ علينا إذا قُلنا أنّ مشيئة الله هي الخلود لأهل الكبائر بدليل صريح آي الكتاب بالخلودِ في حقّهم، في حقّ قاتلي الأنفس المؤمنة، وأصحاب الرّبا، ومُخالفي أوامر الله في المواريث، وعليها يُقاس باقي الموبقات كالسّحر والخمر وقذف المحصنات وغيرها. إن قُلتم: إنّما يُخرِجُ الله أصحاب الكبائر من المسلمين بشفاعة الرّسول صلى الله عليه وآله وسلم، وإن كان قد صرَّح في حقّهم بالخلود، لأنّه قادرٌ على كل شيء. قُلنا: وكذلك الله قد يُكذِّب جميع الأمة ويُخرج الكفّار والمُشركين وإبليس من النّار إلى الجنة لأنّه على كل شيء قدير، هل هذا منكم مَنطقٌ إخوة البحث والإنصاف، الله سبحانَه وتعالى عندما يَستثني بالمشيئة في مواطن عديدة من القرآن مع العِلم والجزم بأنّ مشيئتَه معروفة مُسبقاً بآيات محكمةٍ أخرى من القرآن، فإنّ لله لا يَذكر هذا الاستثناء بالمشيئة إلاَّ ليُعْلِمَ النّاس أنّه على كلّ شيء قدير، فمعلومٌ أنّ الله تعالى يستطيعُ أن يَظلِم، ولكنّه لَن يظلمَ أبداً، لأنّه عالمٌ بأنّ الظّلم قبيح، وهُو أحكمُ الحاكمين، وفِعل الظّلم من الحكيم قبيح، والله لا يَفعل الظّلم ولا القبيح. ومعلومٌ أيضاً أخي الباحث أنّ الله تعالى يستطيع ألاّ يُقيمَ يوم القيامَة، ويَجعل الحياة أبديّةً سرمديّة متى شاء ذلك، ولكنّه لن يَفعَل ذلك، لأنّه قد بعثَ رُسلَهُ ووصّاهم بتأكيد هذا اليوم على النّاس، ونطقَت به كتبه العزيزة، والله تعالى أصدقُ من كل صادِق، فتكذيبُ الله لنفسِه ولأنبيائه قبيح، والله لا يَفعل القبيح، وعلى هذا أخي في الله قِس، فالله تعالى وإن استثنى بالمشيئة المُستوجبين للنّار بالخروج منها (على مُقتضى فهم المُخالِف) فهذا لا يَعني أنّهم سيخرجونَ منها، لأنّ الله قد وعدَهم بالخلود في مواطن عديدة من كتابه الكريم، فلَو أخرجَهم من النّار لكذَّبَ نفسَه، وأخلفَ وعيدَه في حقّ أصحاب الكبائر هؤلاء، وهذا من الله قبيح، والله مُنزّه عن فعل القبيح، بل إن الملائكة والأنبياء مُنزّهون عن هذا الفعل فما بالُك بربّ العزّة والجلال !!، نعم! فمشيئة الله تعالى واستثناؤه في الآيات ليس إلاّ لتبيينه أنّه على كلّ شيء قدير، ولكن كونَه يَختارُ بقدرتهِ شيئاً يُخالفُ على ما وعدَ به في القرآن فهذا مُحال. وليسَ مثال هذا إلاّ قول الله تعالى: “وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا” فهذه المشيئة من الله ليست إلاّ لتبيين قُدرته على أن يَجعل جميع أهل الأرض مؤمنين، ولكنّه منعه من تنفيذ هذه المشيئة والقُدرة حِكمته في الابتلاء الذي صرّحت به آياتٌ عديدة من كتاب الله تعالى، وهذا فواضحٌ وجهه بحمد الله تعالى، ونزيد وضوحَه من قول الله تعالى في سورة هود: “إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ *” وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ” (هود 103-108)، وفي هذه الآية تأمّل كيف أنّ مشيئة الله تعالى لم تأتِ إلاّ لتُعبّر عن القدرة الإلهية على فعل كلّ شيء فقط، ولا يترتّب عليها أنّ الفسقَة وأصحاب الكبائر من أهل القبلة سيَخرُجون من النّار ولو كانَ ذلك كذلك، لجازَ أن يَخرُجَ أصحاب الجنّة من الجنّة إلى النّار بدليل ما أُردِفَت به المشيئة في الآية: “وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ”.

جاء في موقع عرفان: بعد أن أخرجت عقائد الزيدية من كتاب البحر الزخار، وقفت على رسالة مختصرة باسم العقد الثمين في معرفة ربّ العالمين لموَلّفه العلامة الاَمير الحسين بن بدر الدين محمد المطبوع باليمن، نشرته دار التراث اليمني صنعاء، و مكتبة التراث الاِسلامي بصعده وهي من أوائل الكتب الدراسية في حقل أُصول الدين والموَلّف من أجلّ علماء الزيدية، وأكثرهم تأليفاً وتعد كتبه من أهم الاَُصول التي يعتمد عليها علماء الزيدية ويدرسونها كمناهج. حلقات المناظرة بين الاِمامية والزيدية: يشهد التاريخ على أنّ حلقات المناظرة كانت تنعقد في الجامعات وبيوت الشخصيات في عصر الشيخ المفيد (336 ـ 413هـ) ويشارك فيها الاِمامي والزيدي والمعتزلي وغيرهم، وكان الشيخ يناظر كل هذه الفرق، ببلاغة تثير إعجاب المشاركين. وقد ذكر السيد المرتضى (355 ـ 463هـ) قسماً من هذه المناظرات في كتابه (الفصول المختارة) الذي اختاره من كتاب (العيون والمحاسن) لاَُستاذه الشيخ المفيد، وقد طبع الاَوّل دون الثاني. ونذكر هنا أجوبة الشيخ للاعتراضات الثلاثة التي طرحها أحد شيوخ الزيدية المعروف بالطبراني ويدور الجميع على محاور ثلاثة. إنّ الاِمامية حنبلية من جهات ثلاث: 1 ـ يعتمدون على المنامات كالحنابلة. 2 ـ يدّعون المعجزات لاَ كابرهم كالحنابلة. 3 ـ يرون زيارة القبور مثلهم. وإليك الاعتراضات والاَجوبة بنصهما. قال الشيخ: كان يختلف إليّ حدَث من أولاد الاَنصار ويتعلّم الكلام فقال لي يوماً: اجتمعت البارحة مع الطبراني شيخ من الزيدية، فقال لي: أنتم يامعشر الاِمامية حنبلية وأنتم تستهزئون بالحنبلية، فقلت له: وكيف ذلك؟ فقال: لاَنّ الحنبلية تعتمد على المنامات وأنتم كذلك، والحنبلية تدّعي المعجزات لاَكابرها وأنتم كذلك، والحنبلية ترى زيارة القبور والاِعتكاف عندها وأنتم كذلك، فلم يكن عندي جواب أرتضيه، فما الجواب؟ الجواب على الاعتراض الاَوّل: قال الشيخ أدام اللّه عزّه: فقلت له: أرجع فقل له: قد عرضتُ ما ألقيته إليّ على فلانٍ، فقال لي: قل له إن كانت الاِمامية حنبلية بما وصفت أيها الشيخ فالمسلمون بأجمعهم حنبلية والقرآن ناطق بصحة الحنبلية وصواب مذاهب أهلها، وذلك أنّ اللّه تعالى يقول: “إذْ قَالَ يُوسُفُ لاِبيهِ ياأبَتِ إنّي رَأيتُ أحَدَ عَشَرَ كَوكَباً وَالشَّمسَ وَالقَمَرَ رَأيتُهُمْ لِي ساجِدِينَ * قَالَ يابُنيَّ لاتَقصُصْ رُوَياكَ عَلَى إخوَتِكَ فَيَكيدُوا لَكَ كَيداً إنّ الشَّيطانَ لِلاِنسانِ عَدُوٌّ مُبين” (يوسف 4 ـ 5). فأثبتَ اللّه جلّ اسمه المنام وجعل له تأويلاً عرفه أولياءه عليهم السلام وأثبتته الاَنبياء ودان به خلفاوَهم وأتباعهم من الموَمنين واعتمدوه في علم ما يكون وأجروه مجرى الخبر مع اليقظة وكالعيان له. وقال سبحانه: “وَدَخَلَ مَعَهُ السِجنَ فَتيانِ قالَ أحَدُهُما إنّي أراني أعصِرُ خَمراً وَقالَ الآخرُ إنّي أراني أحمِلُ فَوقَ رَأسي خُبزاً تَأكُلُ الطَيرُ مِنهُ نَبّئنا بِتَأويله إنّا نراكَ مِنَ المُحسِنين” (يوسف 36). فنبّأهما عليه السلام بتأويله وذلك على تحقيق منه لحكم المنام، وكان سوَالهما له مع جهلهما بنبوته دليلاً على أنّ المنامات حقّ عندهم، والتأويل لاَكثرها صحيح إذا وافق معناها، وقال عزّ اسمه: “وَقالَ المَلِكُ إنّي أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يأكُلُهُنَّ سَبْعٌ عُجافٌ وَسَبْعَ سُنْبلاتٍ خُضرٍ وَأُخَرُ يابِساتٍ يا أيّها المَلاَ أفتُوني في روَياي إن كُنتُمْ لِلروَيا تُعَبرُونَ * قَالوا أضغاثُ أحلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأويلِ الاَحلامِ بِعالِمين” (يوسف 43 ـ 44) ثم فسرها يوسف عليه السلام وكان الاَمر كما قال.وقال تعالى في قصة إبراهيم وإسماعيل ( عليهما السلام ): “فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعيَ قَالَ يابُنيَّ إنّي أرى في المنامِ أنّي أذبَحُكَ فَانظُرْ ماذا تَرى قال يا أبتِ افعل ما تُوَمر سَتَجِدُني إن شاءَ اللّهُ مِنَ الصابِرين” (الصافات 102) فأثبتا ( عليهما السلام ) الروَيا وأوجبا الحكم ولم يقل إسماعيل لاَبيه عليه السلام يا أبت لا تسفك دمي بروَيا رأيتها فإنّ الروَيا قد تكون من حديث النفس، وأخلاط البدن وغلبة الطباع بعضها على بعض كما ذهبت إليه المعتزلة. فقول الاِمامية في هذا الباب ما نطق به القرآن، وقول هذا الشيخ هو قول الملاَ من أصحاب الملك حين قالوا: “أضغاث أحلام” ومع ذلك فإنّا لسنا نثبت الاَحكام الدينية من جهة المنامات وإنّما نثبت من تأويلها ما جاء الاَثر به عن ورثة الاَنبياء عليهم السلام.