عقيدة الزيدية والقرآن الكريم من سورة هود (ح 37) (نهج الاماميو والزيدية، حديث الافتراق)

د. فاضل حسن شريف

قال الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام: (فَعنـدَنا، وعِند المعتزلة، أنَّ الله صادقُ الوعيد، كمَا أنه صادقُ الوعد، وأنّ مَن مَات مُصرًّا على معصيةٍ أنه مُخَلّدٌ في النّار وإن كَان مِن أهل القِبلَة، “فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِي‍رٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ” (هود 106-108)، ومِمّا يُؤيد ذَلك أنّ الذين سُعدوا لا يَخرُجون مِن الجنة أبداً إذا مَاتوا سُعداء بالإجمَاع، فَلو جازَ خُروج أحدٍ من النار، جَاز خُروج مَن يدخل الجنّة، لأنّ الاستثناء هَاهُنا فِي ذِكر الجنّة والنّار، فَبَطَل تعلُّقهم بهذه الآية).

جاء في صفحة الزيدية والرد على شبهاتهم: تفضيل نهج الإمامية على مذهب الزيدية بالأدلة الشرعية (الحلقة الثالثة) للكاتب مروان خليفات: الدليل الثالث: الإمامة نصٌ إلهي ونبوي ولا دليل على القيام بالسيف والدعوة: القرآن هو المصدر الأساس الذي ينبغي رد كل خلاف إليه، وعرضه عليه، وحين ننظر في كتاب الله نجده يقرر بلسان عربي مبين كليات عامة للإمامة، جاء أبرزها في خطاب الله لإبراهيم عليه السلام وتنصيبه إماما. قال تعالى: “وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين” (البقرة 124) تشير الآية إلى تعرض إبراهيم عليه السلام إلى اختبار وابتلاء، منها رؤيا ذبح ابنه، قال تعالى: “قال يا بني اني أرى في المنام أني أذبحك”، إلى أن قال: “ان هذا لهو البلاء المبين” (الصافات 106) استطاع إبراهيم عليه السلام تجاوز تلك الإمتحانات، وبعد النجاح تأتي المكافأة والترفيع، فقال تعالى: (إني جاعلك للنا س إماما ) فالجعل منه عز وجل، هنا استبشر إبراهيم عليه السلام، وطلبها لذريته، فقال: “ومن ذريتي” وقوله هذا فيه دلالة على أن الإمامة جاءته، وهو شيخ كبير بالسن، فالله لم يرزقه ذرية إلا وهو شيخ كبير، يدل على ذلك قوله تعالى:”فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ * فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ” (الذاريات 28-29). وقال تعالى: “ولَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ، وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ، قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ” (هود 69ــ72). وقال تعالى: “الحمدلله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء” (إبراهيم 39) إن جعل الله لنبيه إبراهيم إماما وهو شيخ كبير، وبعد اختبارات عديدة، وفرح إبراهيم بذاك التنصيب فيه دلالة على أن مقام الإمامة أعلى رتبة من مقام النبوة، ولو كانت النبوة أعلى لجعله الله إماما قبل بعثته، ولا يقال إن جعله إماما أي أنه جعله نبيا، فهذا لغو أنزه كتاب الله عنه، إن الإمامة جاءته وهو شيخ كبير كما بينتُ، وقد كان نبيا قبل ذلك، حين دعا آزر واعتزله، وحين حطم أصنام قومه إلا كبيرهم في القصة المعروفة، وقد نال من الله ترقية ومكافأة، ولا تكون الترقية إلا لمنصب أعلى من منصبه السابق. قال السيد الطباطبائي: (إماما، مفعول ثان لعامله الذي هو قوله: جاعلك واسم الفاعل لا يعمل إذا كان بمعنى الماضي، وانما يعمل إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال) تفسير الميزان، ج 1 – ص 270 – 271. فلا شك أن الإمامة غير النبوة، ولا شك أن هذا التنصيب يعني اضافة شيء جديد إلى إبراهيم عليه السلام. أما قول الله عز وجل: “لا ينال عهدي الظالمين” (البقرة 124) ففيها دلالة على أن الإمامة عهد من الله، لا تكون من خلال القيام بالسيف ودعوة الشخص إلى نفسه، وإلا لذكر القرآن ذلك. لقد منعت الآية كل ظالم من نيل الإمامة، والظلم ليس هو فقط الشرك بالله: “إن الشرك لظلم عظيم” (لقمان 13) وإنما هو كل ذنب يقترفه المرء، فالمذنب ظالم لنفسه، فدلت الآية على عصمة الإمام من ذرية إبراهيم عليه السلام.

جاء في موقع الكاظم الزيدي عن حديث الافتراق وهل له أصل في كتب الزيدية: فيما يخصّ حَديث الافتراَق، أو حَديث الفرقَة النّاجيَة، ففيه عدّة أمور: الأمرُ الأوّل: الحَديث لهُ طُرق روايَة كثيرَة، وقَد تلقّته الأمّة والعترَة بالقَبول، وللمُتأخرين من عُموم الباحثين لهُم فيه مقَال، وأكتُب هُنا ما ظهرَ لي من بحثِ واستقراء وخوفاً من ردّ الأحاديث معَ قبولها التّأويل. الأمرُ الثّاني: أنّ إنكَار وتصحِيح الأحادِيث ليسَ بالتشهّي، فوعيدُ الله سُبحانَه وتعالى ثابِت لمَن خالفَ أوامر الله تَعالى، فلا يُنكرُ أحدٌ هلاكَ من كانَ في اعتقادِه أو فعلِه ما يُوجبُ الفِسقَ أو الكُفر “لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّـهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا، وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا” (النساء 123-124)، فالعمَل الصّالح والاعتقَاد شرطُ دُخول الجنّة. الأمرُ الثّالث: وهُو الذي يجعلُ البعض يتبنّى إنكَار هذا الحَديث، وتشمئزُّ نفسُه منه، لمّا كان الحقّ والنّجاة هُو في فرقَة واحدَة من الفِرق الإسلاميّة، وغيرُها هالكٌ في النّار، والأمرُ عندِي أكبرُ من ذلك وله تأويل بدون أن يُضعّف الحديث، وتأويلُه ينطلقُ من فَهم أمرَين يرتّب أحدُهما على الآخَر: الأمرُ الأوّل: (ستفترقُ أمّتي إلى ثلاٍث وسَبعين فرقَة كلّها هالكَة إلاّ فرقَة واحدَة)، فيكونُ المَعنَى: (ستفترقُ أمّتي)، اختلافاً في المنهَج والتّأصيل والتّلقّي، (إلى ثلاث وسَبعين فرقَة)، إلى ثلاث وسَبعين منهَجاً، (كلّها هالكَة) أي كلّ هذه المناهِج خاطئة تؤدّي إلى عقائد فاسدَة تؤدّي إلى النّار في تأصيلِهَا لِمَا يترتّب عنهَا، (إلاّ فرقَة واحدَة)، يكون منهجُها هُو المُنهج الحقّ، لأنّ الحقّ في الأصول والتّوقيفيّات من الشّريعَة لا تتعدّد. خُلاصَته: أنّ النّجاة والهلاك، واستحقَاق الجنّة أو النّار، هُو كمَا قالَ الإمام المرتضى محمّد بن الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين، عندمَا سُئلَ عن هذا الحَديث والفرقَة النّاجيَة، فقَال: (فَهُم المُؤمنُون بالله ورَسُولِه، النّاسبُون له إلى مَا نسب إليه نفسَه، المُبرِّئون له من شبه خلقه، المثبتون لعدله، النّافون الظلم عنه، القائلون بالحق فيه، المُصدِّقون بِوعدِه، المقِرُّون بوعيده، المتبِّعون لسنة نبيه، المقيمون لما افترض الله عليهم من أحكامه، المقتدون بكتابه، الآمرون بأمرِه، المنتهون عن نهيه، العَاملون بطاعته، المُوالون لأوليَائه، المُعادون لأعدائه، المُجاهدون في سَبيلِه، فَهُم النّاجون من عذابه، المُستوجبون لثوابه، صَبروا يسيراً من دهرهم، فسُرّوا كثيراً في آخرتهم، قد أمنوا الخزي والنيران، واستوجبوا الرضا والرضوان، في جنات النعيم مخلدون، “فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ” (هود 108)). *والمَنهج الصّحيح هُو مَا قاله رسول الله ص في الحَديث الصّحيح المُتواتر: (إنّي تاركٌ فيكم ما إن تمسكّتم به لن تضلّوا من بعدي أبداً: كتاب الله، وعترتي أهل بَيتي، إنّ اللّطيف الخَبير نبّأني أنّهما لَن يفترقَا حتّى يردَا عليّ الحَوض)، فمنهَج أهل البَيت آ، منهجٌ مُلازمٌ للقرآن الكَريم، ومنهجُ القرآن لن يضلّ أبداً. الأمرُ الثّاني: وهُو مترتّب على ما قبلَه، أنّ النّجاة مُترتّبَة على الاعتقَاد بذاتِ المَنهج الذي يُوصلُ الإنسان إلى القَبول الإلهيّ والرّضا الإلهيّ في جُملَة الاعتقَاد، فقَد يذهبُ بعض أهل العِلم إلى جُملَة حسنَة يُتفّق عليهَا في العَقيدة، ولكنّ تفاصيل أقوالهِم تُنافي تلك الجُملَة، كمَن يقول: الله لا يُشبه الأشياء، ولكنّه بيد وقَدم وعَين وصُعود ونُزول، أو أنّه على صورَة آدَم أو على صُورة شابّ أمرَد، فهؤلاء قَالوا بجُملَة حسنَة في الاعتقَاد وهي نفي التّشبيه ولكنّهم فرّعوا منهَا عقائد فاسدَة تؤدّي إلى تجزئَة الذّات الإلهيّة وتشبيهِهَا وهي أقوال عظيمَة جدّاً، فهؤلاء فرقةٌ فاسدٌ منهجُها، ولكن هل يهلكُ أصحابُها هذا يَعودُ إلى الله سُبحانه وتَعالى وإلى حقيقَة وأبعاد إخلالهِم بأوجه النّظر والتدبّر وعَدم استغلالهِم للعقل الذي أودِعَ فيهِم واجتهادهِم في إصابَة الحقّ من عدمِه بالتّقليد، فالحُكم على عَين الأشخاص تهليكاً أخرويّاً أمرهُ إلى الله تعالى إلَّا أنْ يظهَر عنادٌ واضحٌ وتجنّ سافِر، فأمّا الظّاهرُ لنَا والذي نستطيعُ أن نَحكُم بِه فهُو فسادُ هذا المَنهج ومُخالفته للَعقل وللكتاب وللسنّة، نعَم! وأنبّه أنّ مَن كاَنت مناهجهُم مُخالفَة للمنهَج الصّحيح فإنّهم على خطرٍ عَظيم، وكذلك لا يُغفَل جانبُ الأعمَال الصّالحَة فإنّ الاعتقَاد بالمنَهج الصّحيح لا ينفعُ مع ارتكاب المُحرّمات والإصرار عَليهَا. هذا ما توجّه إليه الجَواب في حَديث الفرقَة النّاجيَة، والله أعلَم.