خلف أسوار المديرية

بقلم: حسين شكران العقيلي
ماجستير
22 آذار 2026

​تنطلق فلسفة العمل المؤسسي الناجح من قدرة الإدارة على تحويل النقد إلى وقود للتطوير إلا أن الواقع الذي نعيشه خلف أسوار المديرية بات يشي بظاهرة مقلقة حيث تحولت المنصات الرقمية ودوائر القرار من جسور للتواصل إلى خنادق للإقصاء. فعندما يمتلك موظف مهني الشجاعة لتشخيص خللٍ أو حالة ما أو تسليط الضوء على حالة سلبية تعيق سير العمل أو التمييز بين شخص واخر بدلاً من أن يُكافأ على أمانته الوظيفية وحرصه على المصلحة العامة يُفاجأ بسلاح (الحظر) الرقمي والمعنوي، وكأن محاولة الإصلاح باتت جُرماً يستوجب النفي والتعمية.
هذا السلوك لا يمثل قوة الإدارة بل يعكس ضعفاً بنيوياً في تقبل الحقائق ويخلق هوة سحيقة بين المدير العام وبين نبض الواقع الذي ينقله المخلصون من أبناء المؤسسة.
​إن أخطر ما يواجه المديريات اليوم ليس نقص الموارد بل هي تلك (الحاشية) التي تضرب حصاراً محكماً حول أصحاب القرار فتعمل كفلتر لا يسمح إلا بمرور عبارات الثناء والتمجيد بينما تُحجب كل صرخة إصلاحية صادقة بدعوى أنها (خروج عن النسق) أو نقد غير مبرر.
وهنا تبرز أزمة العلاقات الشخصية التي باتت تطغى على المعايير المهنية حيث يُقرب أصحاب الولاءات والمصالح الضيقة بينما يُركن الموظف المهني الجيد على الرف ويُهمل دوره وتُطمس كفاءته لأنه رفض أن يكون جزءاً من جوقة التلميع.
هذا التمييز الصارخ يقتل روح المبادرة ويصيب الجسد الوظيفي بالشلل إذ يرى الموظف المجد أن المعيار لم يعد الجودة أو الإنجاز بل القرب من مراكز النفوذ داخل تلك الأسوار.
​إن الإصلاح الحقيقي الذي ننشده لا يمكن أن يتحقق في بيئة تخشى المكاشفة وتعتبر النقد خصومة شخصية.
إن استمرار سياسة تكميم الأفواه ومحاربة الموظفين الغيورين سيؤدي حتماً إلى تآكل الثقة المؤسسية واستفحال حالات الفساد الإداري والمالي التي تختبئ خلف ستار الصمت المفروض.
لذا بات من الضروري ردع تلك البطانة التي تعبث بمصير المؤسسة والبدء بثورة إدارية تتبنى الشفافية فعلاً لا قولاً عبر محاسبة المقصرين الحقيقيين الذين يتسترون على الأخطاء والاحتفاء بالموظفين المهنيين الذين يشكلون الضمانة الوحيدة لاستقامة العمل ووصول الخدمات لمستحقيها دون تمييز أو محاباة.
إن القائد الحقيقي هو من يستمد رؤيته من عيون موظفيه الصادقين، لا من مرايا حاشيته المخادعة.