رياض سعد
كان غسان يعيش على حافة سؤالٍ لا يهدأ: لماذا كل هذا الثقل؟
قلقٌ وجوديٌّ يعصف به كريحٍ لا تُرى، يختلط بضجيج الأيام؛ مسؤوليات تتراكم، علاقات تستهلك روحه، وضيقٌ ماليٌّ يضغط على صدره حتى يكاد ينسى كيف يتنفس …
لم يكن غسان زنديقا ولا مؤمنًا خالصًا؛ كان شيئًا بينهما … ؛ بل كان مذبذبا مساومًا …
كان يقف في صلاته أحيانًا، لا حبًّا خالصًا لله ، بل كعقد صفقةً مؤجلة معه :
يا رب، إن فرّجت عني، سألتزم… سأشكر… سأعود إليك …
فإذا انفرجت عقده وزالت همومه ، وسارت الأمور على نحوٍ ما، امتلأ قلبه بنشوة الطاعة والايمان ، وأطال سجوده كأنه وُلد من جديد …
لكن ما إن تعود الحياة إلى قسوتها، حتى ينقلب على عقبيه؛ يترك الصلاة، ويغضّ الطرف عن النعم التي تملأ يومه بصمت: صحةٌ لا يلاحظها، وعافيةٌ لا يشكرها، وأنفاسٌ تمرّ دون أن تُستأذن…
وفي يومٍ مثقلٍ بالانتظار، كان لا يزال يملك بعض المال، لكنّه علّق أمله كله على صديقٍ وعده برزقٍ قريب …
جلس يراقب هاتفه، كأن الزمن توقّف عند شاشةٍ صامتة …
مرّ الموعد… ولم يأتِ الاتصال .
تسلّل الإحباط إلى قلبه ببطء، كالماء البارد في شقوق الجدار …
نام مهمومًا، مثقلًا بخيبةٍ أخرى تُضاف إلى أرشيف خيباته …
وحين استيقظ، لم يكن في الغرفة شيء جديد …
نفس الجدران، نفس الصمت، ونفس الثقل …
مدّ يده إلى المذياع بلا وعي، كمن يبحث عن صوتٍ يملأ الفراغ، فانبعث صوت القارئ محمد صديق المنشاوي عذبًا، ينساب كضوءٍ خفيٍّ في العتمة :
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ وَيُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾
تجمّد غسان في مكانه …
لم تكن الآية جديدة عليه، لكنه شعر بها هذه المرة كأنها تُقال له وحده، لا تُتلى… ؛ بل تُفكّ شفرة شيءٍ عميقٍ داخله …
تدفقت في ذاكرته عشرات اللحظات التي ظنّ فيها أن كل شيء انتهى، ثم—بلا تفسيرٍ واضح—انفرجت الأمور…
أبوابٌ أُغلقت بعنف، فُتحت بعدها نوافذ لم يكن يراها …
طرقٌ انقطعت، فظهرت مسارات أخرى من حيث لا يحتسب …
ثم تساءل بصمت :
كم مرةً نجوتُ دون أن أفهم كيف؟
وكم مرةً ظننتُ أني وحدي، بينما كانت يدٌ خفية تدبّر شيء؟
في تلك اللحظة، لم يشعر غسان بأنه ربح شيئًا من الدنيا … ؛ لكنه أدرك أنه خسر وهمًا كبيرًا …
كل وهم أنه هو من يساوم …
وهم أن الأمور تُدار بشروطه الصغيرة …
أدرك، لأول مرة، أن العلاقة مع الله ليست عقدًا تجاريًا، بل انتماءٌ وجوديّ؛ وأن الإيمان ليس التزامًا موسميًا … ؛بل وعيٌ مستمر بأنك لست وحدك، حتى حين يخيَّل إليك أنك كذلك …
أغلق المذياع ببطء، لكن الصمت لم يعد كما كان …
كان ممتلئًا بشيءٍ جديد …
طمأنينةٍ لا تحتاج إلى دليل …
رفع رأسه، وكأن حملاً خفيًا قد أُزيح عن صدره، وهمس لنفسه
ليست المسألة أن تُستجاب دعواتي دائمًا …بل أن أثق أن كل ما يحدث، يحدث بعلمٍ لا أحيط به، وحكمةٍ قد لا أفهمها الآن… لكني سأفهمها يومًا … .
في ذلك الصباح، لم يتغير العالم خارجًا …
لكن غسان، في الداخل، لم يعد الشخص نفسه … ؛لقد سكتت المساومة أخيرًا .
عندها غمرته طمأنينة غريبة، وسكينة عميقة، وشعر بيقين راسخ أن الأمور كلها بيد حكيم عليم، يدبر الأمر في السماء والأرض …