الكتاب الذي تهتز له المجرّات

رياض سعد

كلما فتحتُ ذلك الكتاب العتيق، شعرتُ أنني لا أقلب صفحاتٍ من ورق، بل أزيح ستائرَ معلّقةً بين الزمن والأزل.

كانت حروفه تبدو ساكنةً للعين، لكنها في أعماق الروح تتحرك ككواكبَ خفيّةٍ تدور حول شمسٍ لا تُرى.

وكلُّ كلمةٍ منه كانت تحمل رائحةَ ملحمةٍ لم تنتهِ بعد، كأنها بقايا الصدى الأول الذي استيقظت عليه الموجودات حين خرجت من صمت العدم.

أمضي بين سطوره، فأرى الجبال تُنصت، والبحار ترفع رؤوسها من نومها القديم، والنجوم تتبادل فيما بينها إشاراتٍ غامضةً لا يفهمها إلا العابرون في صحارى القلب.

وحين أصل إلى نهاياته، لا تهتز أركان الكون كما كنت أظن؛ بل أكتشف أن الكون كله كان مستقراً، وأن الذي اهتز حقاً هو ذلك العالم المهمل المختبئ في داخلي.

عندها أدرك أن ذلك الكتاب ليس كتاباً، بل بابٌ سرّيٌّ تركته السماء موارباً منذ بدء الخليقة؛ فمن دخله بحرفٍ واحدٍ عاد محمّلاً بمجرةٍ من الأسئلة، ومن دخله بقلبه عاد وفي صدره كونٌ آخر.