ضياء ابو معارج الدراجي
ما حدث في ملف توزيع الغاز ليس إصلاحاً كما يُسوَّق له، بل نموذج واضح لكيف تتحول القرارات المرتجلة إلى أدوات ضغط يومي على المواطن البسيط. ما يُسمّى بتنظيم التوزيع انتهى عملياً إلى تعقيد حياة الناس، وخلق حلقات إضافية من الكلفة والإذلال لا مبرر لها.
قبل هذا القرار، كانت العملية بسيطة وواضحة: يصل “أبو الغاز” إلى باب بيتك، تدفع مبلغاً معقولاً، وتنتهي المسألة دون تعقيد أو تعطيل لمصالحك. اليوم، تحوّل الأمر إلى سلسلة من الشروط: هاتف ذكي، رصيد إنترنت، وقت مهدور، تنقل مرهق، وانتظار طويل، وكل ذلك للحصول على نفس الأسطوانة التي كانت تصل إليك دون عناء. أي منطق إداري هذا الذي يستبدل الخدمة المباشرة بنظام يُثقِل كاهل المواطن مادياً ونفسياً؟
الأسوأ من ذلك، أن هذا القرار فتح الباب واسعاً أمام السوق السوداء. حين تُقيّد الكميات وتُربك آلية التوزيع دون بدائل حقيقية، فأنت عملياً تدفع الناس دفعاً نحو المضاربة. أصحاب المطاعم والأفران وباعة الشارع ليسوا ترفاً في المجتمع، بل جزء من دورة اقتصادية يومية، وحين يُحرمون من الوصول السلس إلى الغاز، فإن النتيجة الطبيعية هي ارتفاع الأسعار على الجميع. من يدفع الثمن في النهاية؟ المواطن نفسه الذي قيل إن القرار جاء لخدمته.
المشكلة هنا ليست فقط في الفكرة، بل في غياب أي تخطيط واقعي لتطبيقها. لا تدريب للوكلاء، لا تهيئة للبنية التحتية، لا مراعاة للفئات التي لا تملك هواتف ذكية، ولا تقدير لحجم الطلب الفعلي. وكأن القرار صيغ في مكاتب مغلقة، بعيداً عن واقع الأزقة والأسواق، وبلا أي اختبار حقيقي لنتائجه.
ثم يأتي السؤال الأهم: أين موقع كرامة المواطن في كل هذا؟ هل يُعقل أن يتحول الحصول على مادة أساسية إلى رحلة استجداء وانتظار؟ هل من المعقول أن يُجبر الموظف على أخذ إجازة ليحصل على حقه الطبيعي من الغاز؟ هذه ليست إدارة خدمات، بل إعادة إنتاج للأزمة بشكل أكثر قسوة.
إن القرارات التي تمس حياة الناس اليومية يجب أن تُبنى على فهم عميق للواقع، لا على تجارب غير مدروسة. وما حصل في هذا الملف هو درس صارخ في كيف يمكن لفكرة سيئة التنفيذ أن تتحول إلى عبء جماعي، بدل أن تكون حلاً.
المطلوب اليوم ليس تبرير الفشل، بل الاعتراف به وتصحيحه فوراً. إعادة النظر بالآلية، فتح قنوات توزيع مرنة، ضبط السوق السوداء فعلياً لا نظرياً، والأهم من ذلك إعادة الخدمة إلى مسارها الطبيعي: خدمة تصل إلى المواطن، لا مواطن يُستنزف ليصل إلى الخدمة.
وإلا، فإننا أمام سياسة لا تُنظم الفوضى، بل تُديرها بطريقة أكثر كلفة وأشد قسوة وفساد.
ضياء ابو معارج الدراجي