رياض سعد
لم يكن الشرّ يومًا كائنًا غريبًا يهبط من العتمة، ولا مخلوقًا ينتظر خلف الأبواب ليقتحم القلب دفعة واحدة …
كان دائمًا أقرب من ذلك بكثير …
قريبًا حدّ الالتصاق… ؛ حدّ الاشتباه بالنفس .
كان يسكنه .
لم يكن يسمع صوتًا قادمًا من الخارج، بل همسًا خافتًا يتشكل في داخله، كفكرة صغيرة، كميل عابر، كرغبة لا اسم لها …
وكان كل شيء يبدأ هكذا… بسيطًا، عاديًا، بلا ملامح واضحة … ؛ ثم يكبر .
شيئًا فشيئًا، يتحول ذلك الهمس إلى تبرير،ويتحول التبرير إلى قرار،ويتحول القرار إلى فعل وموبقة وجريمة ومعصية …
ثم يجلس الإنسان بعدها وحيدًا، لا يطارده شيطان، بل يطارده ضميره , ويؤنبه وجدانه …
هناك… , في تلك اللحظة، تبدأ النار الحقيقية …
ليست نارًا تُرى، ولا لهبًا يلتهم الجسد،بل احتراقًا بطيئًا في الأعماق :
تأنيبٌ لا يهدأ، وذاكرةٌ ترفض النسيان … ؛وشعورٌ ثقيل بأنه خذل شيئًا نقيًا كان يسكنه يومًا …
قد يدرك المرء الواعي متأخرا ؛ أن ما كان يخشاه لم يكن كائنًا خارجيًا،بل فراغًا داخليًا …
ثغرةً في روحه، تركها دون حراسة … ؛لم يكن “الشيطان” سوى اسمه حين يضعف، حين يساوم , حين يشتهي , حين يتكبر ؛حين يعرف الصواب… ثم يختار غيره … .
وأن المعركة الحقيقية لم تكن يومًا في مقاومة عدوٍ بعيد،بل في فهم ذلك القريب جدًا,القريب إلى حد أنه يتكلم بصوته،ويفكر بعقله، ويرغب بقلبه ؛ اي هو نفسه ؛ وليس كائنا خارجا عنها …
لذا عندما يحاول المذنب والمجرم والعاصي الواعي الهروب ؛ سيكتشف حقيقة مرة وقاسية …
ان لا مهرب من نفسه ,فإما أن يواجهها … ؛أو تتحول إلى ساحة مفتوحة لكل ما تخشاه …
في تلك المواجهة فقط، حين ينظر إلى داخله دون زيف، دون تبرير , دون أقنعة …
يرى “شيطانه” بوضوح … ؛ لم يكن مرعبًا كما تخيل،بل كان ضعيفًا… يتغذى على غفلته وجهله وضعفه وحاجته …
عندها يفهم أخيرًا :أن النور لا يأتي من طرد الظلام،بل من إشعاله في الداخل … ؛وأن النجاة لم تكن يومًا في الانتصار على شيء خارجي،بل في ألا يخون الإنسان نفسه…