إيهاب مقبل
في العراق، بعض الأسماء لا تنتمي إلى الماضي بقدر ما ترفض مغادرته. تبقى معلّقة بين الذاكرة والواقع، بين الاتهام والصمت، بين ما قيل وما لم يُحاسب عليه أحد. ومن بين تلك الأسماء الثقيلة، يبرز إسماعيل حافظ عبد علي اللامي، المعروف بـ”أبو درع”، بوصفه واحدًا من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في مرحلة ما بعد 2003، حين اختلطت السياسة بالسلاح، وغابت الحدود بين الدولة واللا دولة.
من ولادة غامضة إلى مدينة الصدر: صناعة النفوذ في الفراغ
وُلد أبو درع عام 1957، واسم والدته صبريه شويع. لا تقدم سيرته المبكرة تفاصيل واضحة، وكأن الغموض كان جزءًا من بنيتها منذ البداية. ما هو ثابت نسبيًا أنه استقر في مدينة الصدر، قطاع 74 شرق بغداد، بعد أحداث الجنوب عام 1991، قبل أن تتحول المنطقة بعد 2003 إلى مساحة نفوذ مفتوحة، تراجع فيها حضور الدولة لصالح ميليشيات مسلحة محلية.
ويُشار في هذا السياق إلى أنه كان ضمن البيئة التنظيمية المرتبطة بـ”جيش المهدي” خلال تلك المرحلة، وهو ما يضعه داخل واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا في تشكل الميليشيات المسلحة في العراق بعد 2003.
لم يكن صعوده استثناءً في تلك المرحلة، بل كان جزءًا من نمط عام: فراغ أمني، انهيار مؤسسات، وتعدد مراكز القوة. لكن الاستثناء الحقيقي أن هذا النوع من الشخصيات لم يتم احتواؤه أو تفكيكه لاحقًا، بل استمر حضوره بأشكال مختلفة حتى اليوم.
هو متزوج وله أبناء، لكن الحديث عن العائلة لم يبقَ في الإطار الشخصي، بل دخل في سياق الصورة العامة التي ارتبطت باسمه، خصوصًا مع ظهور تقارير تتحدث عن امتدادات عائلية في محيطه الاجتماعي والأمني، وما رافق ذلك من إعلان جهات مسلحة لاحقًا البراءة من بعض أبنائه وحفيده، في مؤشر على حساسية الاسم حتى داخل الدوائر القريبة منه.
سنوات النار: حين يصبح الاتهام أكبر من قدرة الدولة على النفي أو الإثبات
في سنوات ما بعد 2003، لم تكن الدولة العراقية قد استقرت بعد، وكانت الشوارع تُدار أحيانًا بمنطق القوة لا القانون. في هذا السياق، ارتبط اسم أبو درع بسلسلة طويلة من الاتهامات الثقيلة، التي لم تُحسم قضائيًا بشكل نهائي، لكنها بقيت حاضرة في الإعلام والذاكرة العامة.
تتحدث روايات وتقارير عن عمليات اختطاف، وقتل طائفي، وتهجير قسري، وعن جثث عُثر عليها في مكبات نفايات، وعن استدراج ضحايا بطرق صادمة، من بينها استخدام سيارات إسعاف حكومية لاستدراج الضحايا في حي الأعظمية ببغداد. كما طُرح اسمه في قضايا اختطاف شخصيات سياسية وأجانب، إضافة إلى اتهامات تتعلق بعمليات اغتيال طالت محامين وشخصيات بارزة.
لكن الأخطر ليس فقط حجم الاتهامات، بل حقيقة أنها بقيت لسنوات خارج الحسم القضائي. وهنا يتحول السؤال من “ماذا فعل؟” إلى سؤال أكثر قسوة: “لماذا لم يُحاسب؟!”.
الدولة الغائبة: حين تُدار العدالة بالتوازنات لا بالقانون
الحديث عن أبو درع لا يمكن فصله عن طبيعة المرحلة التي ظهر فيها. فالعراق بعد 2003 لم يكن دولة مكتملة المؤسسات، بل ساحة مفتوحة لتداخل النفوذ السياسي والمسلح، حيث أصبحت بعض الشخصيات جزءًا من معادلات أمنية معقدة، يصعب الاقتراب منها دون كلفة سياسية أو أمنية.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية: “ليست المشكلة فقط في ظهور شخصيات مسلحة، بل في عدم قدرة الدولة على تفكيكها في الوقت المناسب”.
لماذا لم تُفتح الملفات منذ البداية؟ هل كان العجز إداريًا فقط؟ أم أن بعض القوى استفادت من بقاء هذه الملفات معلقة؟ وهل كانت العدالة مؤجلة لأنها غير ممكنة.. أم لأنها غير مرغوبة في وقتها؟
هذه الأسئلة لا تزال بلا إجابة واضحة، لكنها تشكل جوهر الأزمة: دولة تتأخر دائمًا خطوة عن الأحداث، ثم تحاول لاحقًا اللحاق بظلها.
الموت الذي لم يُغلق الملف: من إعلان القتل إلى عودة الظهور
في عام 2006، أُعلن عن مقتل أبو درع، ثم ظهرت روايات تنفي ذلك، لتبدأ سلسلة من التضارب: هروب إلى إيران بحسب تقارير، عودة لاحقة، ثم ظهور علني عام 2014 في تجمعات مسلحة.
وتشير بعض الروايات المتداولة إلى أن إيران كانت محطة عبور في مساره خارج العراق، وأن وجوده هناك لم يكن مستقراً، حيث انتهت تلك المرحلة إلى خروج أو إبعاد غير معلن، قبل أن يعود للظهور مجددًا في فترات لاحقة داخل البلاد. ويُطرح في هذا السياق تفسير سياسي مفاده أن طهران، في تعاملها مع مثل هذه الملفات، تتجنب عادةً أي وجود أو نشاط قد يُنظر إليه على أنه قابل لإثارة الفتن الطائفية داخل أراضيها أو نقل توترات الصراع الإقليمي إلى الداخل الإيراني، ما يجعل إدارة هذه الحالات تتم غالبًا بصمت وحذر شديدين أكثر من الإعلان العلني.
هذا التناقض في الروايات لا يعكس فقط غياب المعلومة، بل يعكس أيضًا هشاشة المشهد الأمني نفسه، حيث يمكن لشخصية بهذا الوزن أن تختفي وتعود دون مسار واضح للمحاسبة أو التوثيق الرسمي الحاسم.
2026: لحظة اصطدام الدولة بظلها القديم
في 27 أبريل نيسان 2026، عاد ملف أبو درع إلى الواجهة مجددًا، مع صدور مذكرة قبض بحقه بتهمة التهديد واقتحام مبنى حكومي تابع لأمانة بغداد، إضافة إلى تهديد موظفين ومواطنين وكوادر الحراسات الأمنية، في محاولة لإجبارهم على تمرير إحدى المزايدات المالية لصالحه ولصالح أفراد من مجموعته. لكن الحدث الأهم لم يكن المذكرة بحد ذاتها، بل ما تلاها: “مداهمة مقرّه في مدينة الصدر، قطاع 74، والعثور على “أسلحة متوسطة وثقيلة”، وذلك في 28 أبريل نيسان الجاري.
هذه التفاصيل تعيد طرح سؤال أعمق من القضية نفسها: كيف يمكن لشخص بهذا التاريخ أن يحتفظ بقدرة تنظيمية ومخزون تسليحي داخل العاصمة حتى اليوم؟
وفي تطور سياسي أمني لافت، أعلنت سرايا السلام بقيادة الزعيم الديني مقتدى الصدر البراءة من أربعة من أبنائه وحفيده، وهو إعلان لا يمكن قراءته كإجراء إداري فقط، بل كمؤشر على إعادة تموضع داخل شبكة معقدة من العلاقات، ومحاولة واضحة لتفادي أي تبعات سياسية أو أمنية محتملة.
العدالة المتأخرة: حين تتحول الدولة إلى أرشيف بدل أن تكون سلطة
القضية هنا لم تعد قضية فرد، بل قضية منظومة كاملة. منظومة سمحت بتراكم ملفات ثقيلة دون حسم، ثم عادت لاحقًا لتفتح بعضها بشكل انتقائي.
وهنا يكمن جوهر النقد الحقيقي: “الدولة التي لا تحاسب في وقتها.. تتحول لاحقًا إلى دولة تلاحق الماضي بدل أن تصنع المستقبل!”.
والعدالة التي تُمارس بعد عقدين من الزمن، دون تفكيك السياق الكامل، لا تعيد الثقة، بل تفتح أسئلة جديدة حول من كان محميًا، ومن كان مستثنى، ولماذا.
خاتمة: عراق لم يحسم ذاكرته بعد
قصة أبو درع ليست قصة شخص، بل مرآة لمرحلة كاملة لم تُحسم. مرحلة كان فيها السلاح أسرع من القانون، وكانت الدولة في كثير من اللحظات مجرد شاهد متأخر على ما يجري أمامها.
واليوم، مع المداهمات ومذكرات القبض والتبرؤات المتأخرة، يبدو المشهد وكأنه محاولة لإعادة ترتيب الماضي، دون الاعتراف الكامل به.
ويبقى السؤال الأخير: هل هذه بداية العدالة فعلًا؟ أم مجرد فصل جديد في تاريخ طويل من التأجيل؟
المراجع
بالوثيقة.. صدور مذكرة قبض بحق “ابو درع”، السومرية، 28 أبريل نيسان 2026
https://www.alsumaria.tv/news/localnews/562613/%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%82%D8%A9-%D8%B5%D8%AF%D9%88%D8%B1-%D9%85%D8%B0%D9%83%D8%B1%D8%A9-%D9%82%D8%A8%D8%B6-%D8%A8%D8%AD%D9%82-%D8%A7%D8%A8%D9%88-%D8%AF%D8%B1%D8%B9
سرايا السلام تعلن البراءة من 4 أبناء لـ”أبو درع” وحفيده، شفق، 26 أبريل نيسان 2026
https://shafaq.com/ar/%D8%A3%D9%85%D9%80%D9%86/%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7-%D8%A9-%D9%85%D9%86-4-%D8%A8%D9%86%D8%A7-%D9%84%D9%80-%D8%A8%D9%88-%D8%AF%D8%B1%D8%B9-%D9%88%D8%AD%D9%81%D9%8A%D8%AF%D9%87
أبو درعا، المتهم بارتكاب مجزرة بحق السنة والمعروف بـ”الزرقاوي الشيعي”، شوهد في العراق، صحيفة إنترناشونال بيزنس تايمز، 22 يونيو حزيران 2014
https://www.ibtimes.com/abu-deraa-accused-mass-killer-sunnis-known-zarqawi-shiites-seen-iraq-1608342
الكشف عن اسم قائد فرقة الموت المتورطة في اختطاف خمسة بريطانيين، صحيفة التايمز، 30 أغسطس آب 2007
https://web.archive.org/web/20080510160211/http://www.timesonline.co.uk/tol/news/world/iraq/article2351406.ece
هل هذا هو أكثر مرتكبي المجازر الجماعية غزارة في العراق؟، صحيفة صنداي تايمز، 21 يناير كانون الثاني 2007
https://archive.ph/zA2JR
وجه وحشية العراق، مجلة تايم، 28 نوفمبر تشرين الثاني 2006
https://content.time.com/time/subscriber/article/0,33009,1562970,00.html
حسم مصير المحامي بقبلة يهوذا، صحيفة سيدني مورنينغ هيرالد، 23 أغسطس آب 2006
https://www.smh.com.au/world/lawyers-fate-sealed-with-judas-kiss-20060823-gdo8en.html
انتهى