التضاد في القرآن (قل أرأيتم أن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة)

د. فاضل حسن شريف

جاء في کتاب الامثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى “قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ‌ الظَّالِمُونَ‌” (الانعام 47).”بغتة ” بمعنى فجأة و”جهرة ” بمعنى الظاهر و العلانية، و المألوف استعمال سرّا في مقابل جهرة لا بغتة، و لكن لما كانت مقدمات العمل المباغت خافية غالبا، إذ لو لا خفاؤه لما كان مباغتا، فإن في”بغتة ” يكمن معنى الخفاء و السرية أيضا. قوله تعالى “فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ‌” (الشعراء 202) لا شك أن المراد من هذا العذاب الذي يأخذهم بغتة، هو عذاب الدنيا و البلاء المهلك و عقاب الاستئصال.

هنالك الطباق الايجاب تعز تذل، تؤتي تنزع “قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” ﴿آل عمران 26﴾. جاء في موقع الأستاذ علي أحمد الأديب عن دروس في البـلاغـة: أولاً: الطباق: وهو الجمع بين الشيء وضده في الكلام بمعنى الجمع بين معنيين متناقضين متضادين. كقوله تعالى “وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ” (الكهف 18) فـ أيقاظ في المعنى عكس رقود فالآية جمعت بين كلمتين متضادتين بالمعنى وهذ هو الطباق. وقوله تعالى “وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ” (فاطر 19)- الأعمى والبصير متضادتين بالمعنى. ومثال عن الطباق أيضاً قول أبي فراس الحمداني: تطولُ بي الساعاتُ وهي قصيرة * وفي كلِّ دهرٍ لا يسركَ طولُ الطباق. بين الطول والقصر (تضاد بالمعنى بين كلمتين في عبارة واحدة). والطباق نوعان: إيجاب وسلب: أ‌- الإيجاب: كما مر معنا في كل الأمثلة السابقة (ليل ونهار – علم وجهل – طويل قصير) ب‌- طباق السلب: هو طباق يجب أن يحوي نفياً. أمثلة: قوله تعالى “قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ” (الزمر 9)- فالطباق السلب في هذه الآية الكريمة بين يعلمون ولايعلمون (طباق سلب لوجود نفي فيعلمون مثبت ولايعلمون منفي ) وقول شوقي: وأعطى المال والهِمَمَ العَوالي.. ولم يُعطِ الكرامةَ والإِباءَ فالطباق السلب بين أعطى ولم يعطِ وذلك بدخول أداة النفي لم ومن أدوات النفي ( لم – ليس – ما – لا – لما ) فكأنه يقول أعطى بمعنى منح ولم يعطِ بمعنى بخل. فائدة الطباق وجماله: أنه يوضح المعنى بذكره الشيء وضده فيجمله والأشياء تعرف بأضدادها وقد قيل: والضد يظهر حسنه الضد. كما في قول الشاعر دوقلة المنبجي بقصيدته اليتيمة (دعد) (القصيدة التي قتلت صاحبها): فالوَجْهُ مِثْلُ الصُّبْحِ مُبْيَضٌّ * والشَّعْرُ مِثْلُ الليلِ مُسْوَدُّ ضِدَّانِ لمّا استَجْمَعا حَسُنا * والضِّدُّ يُظْهِرُ حُسْنَهُ الضِّدُّ. (البيت الأول يوجد فيه مقابلة وسيأتي شرحها لاحقاً) وقد قيل أيضاً وبضدها تتمايز الأشياء. أمثلة أخرى على الطباق: قوله تعالى “وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ” (النجم 43) الطباق هنا إيجاب بين أضحك وأبكى. قوله تعالى “لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ” (الحشر 20). بين النار والجنة طباق إيجاب. ومثله قول أبي تمام في فتح عمورية: السَّيْفُ أَصْدَقُ إِنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ في حدهِ الحدُّ بينَ الجدِّ واللَّعبِ بيضُ الصَّفائحِ لاَ سودُ الصَّحائفِ في مُتُونِهنَّ جلاءُ الشَّك والريَبِ. الطباق هنا بين الجدِّ واللعبِ. (وفي المثال السابق يوجد جناس وسيأتي شرحه لاحقاً).

عن تفسير الميسر قوله عز وجل “قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ” ﴿الأنعام 47﴾ الظَّالِمُونَ: ال اداة تعريف، ظَّالِمُونَ صفة. قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين: أخبروني إن نزل بكم عقاب الله فجأة وأنتم لا تشعرون به، أو ظاهرًا عِيانًا وأنتم تنظرون إليه: هل يُهلك إلا القوم الظالمون الذين تجاوزوا الحد، بصرفهم العبادة لغير الله تعالى وبتكذيبهم رسله؟

عن كتاب الميزان في تفسير القرآن للعلامة الطباطبائي: في تفسير القمي في قوله تعالى “قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَة ” (الانعام 47)، قال: إنها نزلت لما هاجر رسول الله صلى‌ الله‌ عليه ‌وآله إلى المدينة، وأصاب أصحابه الجهد والعلل والمرض فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله فأنزل الله”قُلْ” لهم يا محمد”أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ” (الانعام 47) أي لا يصيبكم إلا الجهد والضر في الدنيا فأما العذاب الأليم الذي فيه الهلاك فلا يصيب إلا القوم الظالمين. أقول: الرواية على ضعفها تنافي ما استفاض أن سورة الأنعام نزلت بمكة دفعة. على أن الآية بمضمونها لا تنطبق على القصة والذي تمحل به في تفسيرها بعيد عن نظم القرآن.

قال الله تبارك وتعالى عن كلمة بغتة في القرآن الكريم”قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ” ﴿الأنعام 31﴾ بغتة اسم، بَغْتةً: فجأة، البغت: مفاجأة الشيء من حيث لا يحتسب، قد خسر الكفار الذين أنكروا البعث بعد الموت، حتى إذا قامت القيامة، وفوجئوا بسوء المصير، نادَوا على أنفسهم بالحسرة على ما ضيَّعوه في حياتهم الدنيا، وهم يحملون آثامهم على ظهورهم، فما أسوأ الأحمال الثقيلة السيئة التي يحملونها، و”فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ” (الأنعام 44﴾ بَغْتَةً: فجأة و على غفلة، أخذناهم بغتة: أنزلنا بهم العذاب فجأة، فلما تركوا العمل بأوامر الله تعالى معرضين عنها، فتحنا عليهم أبواب كل شيء من الرزق فأبدلناهم بالبأساء رخاءً في العيش، وبالضراء صحة في الأجسام، استدراجا منا لهم، حتى إذا بطروا، وأعجبوا بما أعطيناهم من الخير والنعمة أخذناهم بالعذاب فجأة، فإذا هم آيسون منقطعون من كل خير، و”قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ” ﴿الأنعام 47﴾ بغتة اسم، بغتة: فجاءة أو ليلا، قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين: أخبروني إن نزل بكم عقاب الله فجأة وأنتم لا تشعرون به، أو ظاهرًا عِيانًا وأنتم تنظرون إليه: هل يُهلك إلا القوم الظالمون الذين تجاوزوا الحد، بصرفهم العبادة لغير الله تعالى وبتكذيبهم رسله؟ و”ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوا وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ” ﴿الأعراف 95﴾ بغتة: فجأة، ثم بدَّلنا الحالة الطيبة الأولى مكان الحالة السيئة، فأصبحوا في عافية في أبدانهم، وسَعَة ورخاء في أموالهم، إمهالا لهم، ولعلهم يشكرون، فلم يُفِد معهم كل ذلك، ولم يعتبروا ولم ينتهوا عمَّا هم فيه، وقالوا: هذه عادة الدهر في أهله، يوم خير ويوم شر، وهو ما جرى لآبائنا من قبل، فأخذناهم بالعذاب فجأة وهم آمنون، لا يخطر لهم الهلاك على بال، و”يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ۗ يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ” ﴿الأعراف 187﴾ غفلة اسم، بَغْتةً: فجأة و على غفلة، يسألك أيها الرسول كفار مكة عن الساعة متى قيامها؟ قل لهم: عِلْمُ قيامها عند الله لا يظهرها إلا هو، ثَقُلَ علمها، وخفي على أهل السموات والأرض، فلا يعلم وقت قيامها ملَك مقرَّب ولا نبي مرسل، لا تجيء الساعة إلا فجأة، و”أَفَأَمِنُوا أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ” ﴿يوسف 107﴾ فهل عندهم ما يجعلهم آمنين أن ينزل بهم عذاب من الله يعُمُّهم، أو أن تأتيهم القيامة فجأة، وهم لا يشعرون ولا يُحِسُّون بذلك.