يقظة الطريق
كتب رياض الفرطوسي
“أمشي في هذا العالم محاولاً أن لا أترك قلباً خلفي أكثر انكساراً مما كان”
ليست هذه جملة افتتاح، بل شقّ صغير في جدار صامت، يدخل منه ضوء لا يطلب إذناً من أحد. هناك نصوص تُكتب لتُقال، وأخرى تُكتب لتمنع العالم من أن يختنق بصمته. وبينهما يمشي الإنسان، لا ككاتب فقط، بل كمحاولة دائمة لفهم لماذا يبدو كل شيء واضحاً ومعقداً في الوقت نفسه.
في هذا السياق، يطلّ الصديق الشاعر جبار المشهداني لا كمجرد قارئ، بل كنوع من “المرايا القلقة” التي لا تكتفي بالانعكاس، بل تعيد تشكيل الصورة وهي تنظر إليها. يقول ما لا تقوله المجاملة، ويكسر المسافة التقليدية بين النص والمتلقي. لا قرابة بيننا، ولا مصالح، ولا رتوش اجتماعية تخفف وقع الكلام. وهذا بالضبط ما يجعل كلماته أقرب إلى الحقيقة منها إلى الإطراء.
ما يقوله عن الكتابة، وعن أثرها، ليس تعليقاً عابراً. إنه يرى في النص فعلاً يهزّ البنية الداخلية للفكرة، ويضع القارئ أمام نفسه بلا وسطاء. وكأنه يلتقط ما قاله فريدريك نيتشه حين كتب: “هناك أفكار لا تُفهم إلا بعد أن تغيّرنا من الداخل”. أو ما يشبه تحذير ألبر كامو من أن مواجهة الحقيقة ليست رفاهية فكرية، بل شكل من أشكال الألم الضروري.
جبار لا يتحدث عن النص كزينة لغوية، بل كصدمة لطيفة تُعيد ترتيب الوعي. يقول بوضوح: ما تفعله ليس عادياً، وليس عابراً. وهذه ليست مجاملة، بل نوع من الاعتراف بأن الفكرة حين تكون صادقة، فإنها لا تمرّ بلا أثر، حتى لو قاومها القارئ.
في هذا التوتر بين الرؤية والواقع، بين الكتابة والحياة، تتكشف مساحة مشتركة لا تحتاج إلى تعريف. مساحة يسميها البعض “الفكر”، ويسميها آخرون “القلق النبيل”، لكنها في جوهرها ليست سوى محاولة دائمة لإعادة النظر في طريقة فهمنا للعالم. أو كما تلمّح حنة آرندت (فيلسوفة سياسية ألمانية أميركية، من أبرز مفكري القرن العشرين) حين تتحدث عن التفكير بوصفه “مسؤولية داخلية لا يمكن تفويضها”.
هنا يصبح الحوار بيننا ليس مجرد تبادل آراء، بل حركة ذهنية تنعش الروح كما يقول، وتعيد ترتيب الأسئلة في الداخل. ليس الهدف أن نتفق، بل أن لا نغلق النوافذ. فالاتفاق السهل يشبه الهواء الراكد، بينما الاختلاف الصادق يشبه الريح التي تُجبر الأشجار على أن تعترف بجذورها.
في هولندا، حيث امتدت سنواتي الثلاثون، تعلمت شيئاً لا يُكتب بسهولة: أن النظام ليس قيداً فقط، بل شكل من أشكال التفكير الجماعي. الشارع هنا ليس أكثر نظافة من غيره صدفة، بل لأنه مبني على فكرة أن الفوضى ليست قدراً. وهذا ما يجعل المسافة بين الإنسان والآخر نوعاً من الاحترام المادي، لا مجرد قيمة أخلاقية.
لكن الذاكرة، حين تعود إلى أماكن أخرى، تكشف وجهاً مختلفاً للعالم. فهناك حيث تختلط الحكايات بالضجيج، يصبح السؤال عن “النظام” سؤالاً عن معنى العدالة، لا عن هندسة الشارع فقط. وهنا تحديداً يظهر ما يسميه جبار “الخلل البنيوي في طريقة التفكير”، لا كعبارة نقدية، بل كجرح معرفي يحتاج إلى وعي لا إلى انفعال.
أحد الفلاسفة قال يوماً إن الإنسان لا يتغير عندما تُعطى له الإجابات، بل عندما تتغير الأسئلة التي يطرحها. وربما لهذا السبب تبدو الكتابة، في لحظتها الصادقة، أقرب إلى إعادة تشكيل طريقة النظر، لا إلى تقديم رأي.
أنا لا أقدّم دروساً، ولا أزعم أنني أملك خريطة. كل ما في الأمر أنني أكتب لأن الصمت، أحياناً، يتحول إلى شكل بطيء من التواطؤ مع ما لا ينبغي السكوت عنه. ولأن بعض الأفكار إذا لم تُقال، تتحول إلى عبء يمشي في الشوارع بلا اسم، لكنه يثقل الهواء.
جبار، في رسالته الأخيرة، لم يقرأ النص فقط، بل دخل فيه كما يدخل أحدهم إلى غرفة يعرف أنها ستغيّره. قال إنه لم يجامل، وأن الحوار معه حرّك شيئاً داخله، وأن الفكرة لم تعد مجرد نص، بل تجربة تفكير. وهذه ربما أعلى درجات القراءة، حين لا يبقى النص خارج القارئ.
ما بين ما يقوله هو وما أكتبه أنا، هناك شيء لا اسم له، لكنه واضح: محاولة مستمرة لإنقاذ طريقة التفكير من التكلّس، وإعادة الاعتبار للفكرة النبيلة وهي تنتظر أن تُفهم، لا أن تُستهلك.
ولعل الحقيقة البسيطة التي تتسلل من كل هذا، أن الكتابة ليست إنقاذاً لأحد بعينه، بل هي تدريب دائم على ألا نمرّ في العالم كأننا لم نره.
يقظة الطريق