اليمن: أربعة آلاف عام من الحضارة والأصالة والعزة
✍ د.علي عبدالله الدومري
المدير العام التنفيذي لمؤسسة الإتحاد العربي للصحفيين والأعلاميين والمثقفين العرب
ان اليمن ليس مجرد اسم يُكتب في موسوعة الأسماء، ولا رقماً جامداً في خانة الجغرافيا يُقرأ ويُطوى. إنه عنوان لحضارة تليدة، ونقش خالد على صخر الزمن، وصفحات من التاريخ الناصع بالأمجاد والبطولات. فما إن يُذكر العرب وأصلهم إلا ويُذكر اليمن موطنهم الأول، وما إن يُذكر الإيمان والحكمة إلا ويُقرن اسمه باسم اليمن،
أرض الكرم وقلعة الكرامة
اليمن هو البلدة الطيبة السعيدة المجيدة، موطن الكرم وحصن الكرامة وقلعة الشجاعة. هو ميدان الرجولة وسيف البسالة وتاج العزة ودرع الحرية ورمز الاستقلال. في كل جبل فيه حكاية نضال وقصة كفاح، وفي كل صخرة شاهد على حضارة عريقة ومربط فرس لأمة لا تنكسر.
على جبين أحجاره خُطّ المسند، ليروي قصص شعب لم يعرف الانكسار، وعراقة أمة سبقت الأمم في البناء والهندسة العمرانية . ملوك اليمن شيّدوا القصور والحصون والمدن، وأقاموا السدود والصهاريج، وشقّوا المدرجات الزراعية في بطون الجبال، وبنوا المعابد والقلاع والمآذن والمعالم والمدارس. لم يكتفوا بعمارة الأرض، بل هندسوا الحياة فيها، فزرعوها وسقوها وأثمروها، ثم حملوا تجارتهم وهجراتهم إلى مختلف الديار والأمصار، تاركين بصماتهم في كل مكان وصلوا إليه.
من سبأ إلى راية الإسلام
حارب أبناء اليمن ودافعوا وناصروا وانتصروا في معاركهم وفتوحاتهم، ورفعوا راية الإسلام عالية خفاقة. وعلّموا اللغة العربية وأدخلوا تحت لوائها شعوباً وقبائل لا تزال تشهد على أثرهم جيلاً بعد جيل. فاليمن لم يكن يوماً مجرد رقعة على الخارطة، بل كان منبعاً للعروبة ومنطلقاً لهويتها.
إن الحديث عن اليمن هو حديث عن أمة عربية عريقة في تاريخها ونسبها. فكل عربي في الدول الناطقة بالضاد، إن لم تكن أصوله تمتد إلى اليمن، فهو مبتور من جذوره. والحديث عن اليمن لا يقتصر على التاريخ وحده، بل يتسع ليشمل الفن والبُن والطب والزراعة والفلاحة والسياسة والإدارة. هو حديث عن الإيمان والحكمة والفقه والعلم، وعن الأصالة والثقافة والشهامة والقبيلة.
اليمن مدرسة في القيادة والسيادة والريادة والفكر والشعر. مدرسة في النبل والمروءة والعفاف والعفة والطهر والاستقامة. مدرسة في الغيرة والنخوة والحمية والفزعة والنصرة، وفي الصدق والوفاء والحزم والعفو واللين والرحمة والبأس والقوة والعدل والشورى.
هذا الشعب وضع التيجان الملكية على رؤوس رجاله ونسائه قبل أن تُكتب التواريخ وتُدوّن الممالك في سجلات المؤرخين. فحين يقول اليمني: “أنا يمني”، فهو لا يردد مجرد انتماء جغرافي، بل يعلن انتماءه لأربعة آلاف عام من الحضارة والأصالة والعراقة والثقافة والاعتزاز بالعروبة. وهو تأكيد على وحدة الأرض والجغرافيا والتاريخ والهوية.
“أنا يمني” تعني الوحدة والسلام والتعايش والجوار والإخاء والتاريخ. تعني أنك ابن أرض بنت ولم تهدم، وصمدت ولم تنكسر، وعلّمت ولم تنتظر أن تُعلَّم. هي كلمة تختصر حضارة زرعت وسقت وبنت، وثقافة جمعت بين الأصالة والانفتاح، وشعباً طبع بصمته من مأذن صنعاء إلى مساجد الأندلس.