بقلم: حسين شكران العقيلي
ماجستير فقه مقارن
الجمعة 15 أيار / مايو 2026
لم يكن المواطن العراقي بعد سقوط النظام البائد يحلم بالمستحيل، ولم يكن يبحث عن حياة مترفة أو وعود خيالية بقدر ما كان يتطلع إلى وطن يشعر فيه بالأمان ودولة تمنحه حقه الطبيعي في العيش الكريم كانت الآمال كبيرة بل إن كثيرين اعتقدوا أن صفحة جديدة قد فُتحت في تاريخ العراق، صفحة تُبنى فيها مؤسسات الدولة على أساس العدالة والكفاءة والقانون، لا على الخوف والقمع والحروب.
كان المواطن ينتظر مدارس أفضل، ومستشفيات تحفظ كرامته وفرص عمل تصون مستقبله ومدنًا نظيفة وآمنة تعكس صورة بلد غني بتاريخه وثرواته. لكن السنوات التي تلت ذلك حملت معها واقعًا مختلفًا تمامًا، واقعًا أثقل كاهل الناس وأدخلهم في دوامة طويلة من القلق والإحباط وفقدان الثقة.
لقد تحولت المحاصصة السياسية مع مرور الوقت من وسيلة مؤقتة لإدارة المرحلة الانتقالية إلى نظام متجذر يتحكم بمفاصل الدولة ومؤسساتها. وأصبح الانتماء الحزبي أو الطائفي في كثير من الأحيان أهم من الكفاءة والخبرة والنزاهة، فتراجعت مؤسسات الدولة تدريجيًا أمام نفوذ الأحزاب والمصالح الضيقة. وهنا بدأ المواطن يشعر بأن الدولة التي حلم بها تُسحب منه شيئًا فشيئًا، وأن صوته لم يعد قادرًا على تغيير الواقع كما كان يظن.
إن أخطر ما يتركه الفساد ليس فقط سرقة المال العام، بل سرقة الأمل من نفوس الناس. فعندما يرى المواطن أن المشاريع تُعلن من دون أن تُنجز، وأن الأموال تُصرف من دون أثر واضح على حياته اليومية، تبدأ ثقته بالتآكل. وحين يقف لساعات طويلة من أجل معاملة بسيطة أو يبحث عن وظيفة فلا يجدها إلا عبر الوساطات والانتماءات، فإنه يشعر بأن العدالة أصبحت بعيدة المنال. ومع تكرار هذه المشاهد يومًا بعد آخر، تتولد قناعة خطيرة لدى المجتمع مفادها أن القانون لا يُطبق على الجميع، وأن النفوذ أقوى من الحق.
لقد دفع المواطن العراقي ثمن الفساد من أمنه واستقراره ومستقبله فضعف مؤسسات الدولة وانتشار الفساد الإداري والمالي كانا من الأسباب التي ساهمت في تراجع الخدمات الأساسية وفتح المجال أمام الجريمة المنظمة وانتشار المخدرات والفوضى الاجتماعية. كما أن الشعور بعدم الاستقرار وانعدام العدالة ولّد حالة من الإحباط لدى شريحة واسعة من الشباب الذين وجدوا أنفسهم محاصرين بين البطالة وضبابية المستقبل وغياب الفرص الحقيقية.
ورغم كل ذلك فإن المواطن العراقي لم يفقد قدرته على الصبر والأمل. ففي كل أزمة كان يحاول أن يتمسك بفكرة الوطن، وأن يمنح الدولة فرصة جديدة للنهوض والإصلاح. لكن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يتحقق بالشعارات والخطب وحدها، بل يحتاج إلى إرادة صادقة تُعيد الاعتبار للقانون وتضع مصلحة الوطن فوق المصالح الحزبية والشخصية. فالدولة القوية لا تُبنى بالمحاصصة، بل تُبنى بالكفاءة والنزاهة والعدالة، ولا يمكن لأي مجتمع أن يستقر ما دام المواطن يشعر بأنه غريب داخل وطنه.
إن العلاقة بين المواطن والحكومة ليست علاقة خصومة، بل علاقة مسؤولية متبادلة فالمواطن يحتاج إلى دولة تحميه وتحفظ حقوقه والدولة تحتاج إلى ثقة الناس حتى تستمر وتنجح. وحين تنهار هذه الثقة تبدأ الفجوة بالاتساع، ويصبح الإصلاح أكثر صعوبة وتعقيدًا. لذلك فإن معالجة الأزمات التي يعاني منها العراق اليوم لا تبدأ من المؤتمرات السياسية فقط، بل تبدأ من إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، ومن إشعار الإنسان العراقي بأن كرامته ليست شعارًا انتخابيًا مؤقتًا، بل حق أصيل لا يجوز التفريط به.
لقد أثبتت التجارب أن الشعوب قد تصبر على ضيق العيش، لكنها لا تستطيع أن تتعايش طويلًا مع الظلم وغياب العدالة واحتكار السلطة والثروة. والمواطن العراقي اليوم لا يطلب أكثر من وطن يشعر فيه بالأمان، ودولة تحترم إنسانيته، ونظام يفتح أبواب الحياة أمام الأجيال بدل أن يغلقها بالفشل والفساد والمحاصصة. فالعراق الذي يمتلك كل هذه الطاقات والثروات لا يستحق أن يبقى أسير الأزمات، ولا يستحق مواطنوه أن يعيشوا بين الخوف والحرمان وانتظار المجهول.
ويبقى الأمل قائمًا ما دام هناك من يؤمن بأن الوطن أكبر من المصالح الضيقة، وأن الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما يصبح الإنسان هو القيمة العليا في الدولة، لا مجرد رقم يُستخدم في مواسم الانتخابات ثم يُترك وحيدًا في مواجهة الفساد والخذلان.