الزوجة بين الفقه الجعفري والتقنين العراقي ( قراءة في المودة والحق)

​بقلم: حسين شكران العقيلي
ماجستير فقه مقارن وقانون عام اسلامي
الأربعاء، 13 أيار 2026

​إن الحديث عن الزوجة في كنف الأسرة ليس حديثاً عن فردٍ عابر، بل هو بحثٌ في جوهر الاستقرار الاجتماعي ومنطلق البناء الإنساني الأول.
ففي الفكر الإسلامي، وتحديداً في الفقه الإمامي الجعفري تُصنف الزوجة كشريكٍ وجودي قائم على فلسفة السكن والمودة حيث لم يأتِ النص الشرعي ليرسم حدوداً مادية جافة بل ليؤطر علاقة إنسانية تسمو فوق العقود والالتزامات هذا التأصيل الفقهي الذي ينظر إلى الزوجة بوصفها ريحانة لا قهرمانة يمنحها حصانة معنوية تسبق الحقوق المادية جاعلاً من كرامتها وحسن معاشرتها واجباً تعبدياً يتقرب به المرء إلى الله، وهو ما يضفي على وجودها داخل الأسرة مسحة من القداسة والسكينة.
​وعند الانتقال من الفضاء الفقهي الواسع إلى حيز التقنين في الدولة العراقية نجد أن المشرع العراقي في قانون الأحوال الشخصية قد استلهم روح هذه الأحكام الشرعية ليصوغها في قوالب قانونية ملزمة.
إن وجود الزوجة في القانون العراقي ليس مجرد طرف في عقد بل هو حجر الزاوية الذي تدور حوله حماية النظام العام الأسري فالمشرع لم يكتفِ بتثبيت حقوق النفقة والمهر، بل ذهب إلى أبعد من ذلك في تنظيم الرابطة الزوجية بما يضمن ديمومتها تحت مظلة العدالة والمساواة في الحقوق الإنسانية.
وهنا تبرز المقارنة التحليلية لتكشف لنا أن القانون العراقي حاول جاهداً الموازنة بين الأصالة الفقهية الجعفرية وبين متطلبات العصر، مما خلق بيئة قانونية تحمي الزوجة من التعسف وتضمن لها دوراً قيادياً في توجيه دفة الأسرة وتربية الأجيال.
​إن المنهج التحليلي لهذه العلاقة يقودنا إلى استنتاج مفاده أن القوة الحقيقية للأسرة تكمن في وعي المجتمع بمكانة الزوجة، ليس فقط كأم أو مدبرة منزل، بل ككيان قانوني وشرعي له استقلاليته المالية والذمية. فالزوجة في الفقه الإمامي تملك حق التصرف في مالها دون وصاية، وهو ما عززه القانون العراقي ليعطيها استقلالاً يرفع من شأنها داخل الهيكل الأسري. هذا الترابط بين النص الديني والتقنين المدني يعكس رؤية حضارية ترى في الزوجة صمام الأمان الذي يمنع تفكك المجتمع، فكلما كانت حقوقها مصانة ووجودها مقدراً،
كان البناء الأسري أكثر متانة ومقاومة للتحديات المعاصرة.
​إننا اليوم أمام مسؤولية أخلاقية وتشريعية تتطلب منا إعادة قراءة هذه النصوص برؤية تتجاوز الحرفية الضيقة إلى المقاصد الكبرى فالتكامل بين الفقه الجعفري بمرونته وقدرته على الاستنباط وبين القانون العراقي بصرامته التنظيمية، يمثل الضمانة الأكيدة لصيانة مؤسسة الزواج. فالزوجة هي روح البيت ونبضه، وبدون تفعيل دورها المركزي وفق هذه الرؤى المقارنة، يبقى أي حديث عن إصلاح اجتماعي حديثاً ناقصاً يفتقر إلى الركيزة الأساسية. لذا، فإن استحضار هذه الأهمية في وعينا الجمعي هو الخطوة الأولى نحو بناء مجتمع عراقي متماسك، تسوده قيم العدل والمودة التي أرساها الشرع الحنيف ونظمها القانون الرصين.