إيهاب مقبل
لم يعد الحديث عن العنف الاجتماعي في العراق مقتصرًا على الحروب أو الاغتيالات أو الصراعات السياسية، بل أصبح العنف جزءًا حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية داخل الأسرة والشارع والمدرسة ومواقع التواصل الاجتماعي وحتى في العلاقات الشخصية. فالمجتمع العراقي، الذي عُرف تاريخيًا بروابطه العائلية القوية وقيمه الاجتماعية المتماسكة، وجد نفسه خلال العقود الأخيرة أمام سلسلة طويلة من الحروب والانقسامات والأزمات التي تركت آثارًا عميقة في البنية النفسية والاجتماعية للأفراد.
ومع مرور الوقت، تحوّل العنف من سلوك استثنائي إلى ظاهرة اجتماعية متكررة، بل إلى وسيلة يلجأ إليها البعض لحل الخلافات أو فرض النفوذ أو التعبير عن الغضب. ولم تعد مظاهر العنف مقتصرة على الجرائم الكبرى، وإنما امتدت إلى العنف الأسري والعشائري والمدرسي والرقمي، إضافة إلى جرائم الثأر وجرائم قتل النساء وخطاب الكراهية المتصاعد في الفضاء العام.
لكن خلف هذه المظاهر تقف أزمة أعمق تتعلق بالصحة النفسية للمجتمع العراقي، إذ إن عقود العنف والصدمات لم تُنتج فقط خرابًا ماديًا، بل خلقت مجتمعًا يعيش تحت ضغط نفسي مزمن وخوف متراكم وانتشار واسع للاضطرابات النفسية.
العنف الاجتماعي بالأرقام
تكشف الإحصاءات المحلية والدولية حجم الأزمة داخل المجتمع العراقي. فبحسب تقارير المرصد العراقي لحقوق الإنسان، سُجلت خلال عام 2025 أكثر من 36 ألف حالة عنف أسري موثقة رسميًا، مع تأكيد المختصين أن الأرقام الحقيقية أعلى بكثير بسبب خوف الضحايا من الإبلاغ والضغوط الاجتماعية التي تمنع الكشف عن الانتهاكات داخل الأسرة.
كما أظهرت بيانات اجتماعية عراقية تسجيل أكثر من 19 ألف حالة اعتداء من الأزواج ضد الزوجات خلال عام واحد، مقابل نحو ستة آلاف حالة اعتداء من الزوجات ضد الأزواج، ما يعكس حجم التوتر والعنف داخل البيئة الأسرية.
أما برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، فقد أشار إلى أن أكثر من 1.3 مليون شخص في العراق معرضون لخطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، وأن النساء والفتيات يشكلن النسبة الأكبر من الضحايا، فيما ترتبط غالبية الحالات بالعنف المنزلي.
وفي جانب آخر، لا يزال العنف العشائري يشكل تحديًا خطيرًا للدولة والمجتمع. فوفق بيانات مشروع ACLED المتخصص في توثيق النزاعات، شهدت محافظات بغداد والبصرة وميسان وذي قار مئات الحوادث المرتبطة بالنزاعات العشائرية والثأر خلال السنوات الأخيرة، في ظل انتشار السلاح وضعف قدرة القانون على فرض هيبته.
الجانب النفسي: مجتمع يعيش تحت الضغط
لا يمكن فهم العنف الاجتماعي في العراق من دون فهم التأثير النفسي العميق الذي تركته الحروب والصدمات المتكررة على الأفراد. فالعراق عاش لأكثر من أربعة عقود في بيئة مليئة بالخوف وعدم الاستقرار، بدءًا من الحرب العراقية الإيرانية، مرورًا بالعقوبات الاقتصادية واحتلال العراق 2003، وصولًا إلى الإرهاب والحرب الأهلية الطائفية الأولى (2006-2008) والحرب الأهلية الطائفية الثانية (2013–2017).
ويؤكد مختصون في علم النفس أن التعرض المستمر للعنف يجعل الدماغ في حالة “استنفار دائم”، وهي حالة تؤدي إلى اضطرابات القلق والتوتر وسرعة الغضب وتبادل الشتائم وفقدان الإحساس بالأمان. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الضغط النفسي إلى سلوك اجتماعي يظهر على شكل عدوانية أو عنف أو انهيار نفسي أو انسحاب اجتماعي.
كما أن الأطفال الذين نشؤوا وسط أصوات الانفجارات ومشاهد القتل والخوف يصبحون أكثر عرضة لاضطرابات نفسية طويلة الأمد، لأن الدماغ في مراحل الطفولة يكون أكثر حساسية للصدمات.
أبرز الاضطرابات النفسية في العراق
تشير تقديرات وزارة الصحة العراقية ومنظمات دولية إلى أن نحو 30% من العراقيين يعانون من اضطرابات نفسية بدرجات متفاوتة، وهي نسبة مرتفعة تعكس حجم الضغوط التي تعرض لها المجتمع.
ويُعد اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) من أكثر الاضطرابات انتشارًا، خصوصًا لدى من عاشوا الحروب أو فقدوا أقاربهم أو تعرضوا للعنف المباشر. ويظهر هذا الاضطراب على شكل كوابيس متكررة، واسترجاع دائم للذكريات الصادمة، وخوف مزمن وعصبية مفرطة.
كما يُعتبر الاكتئاب من أكثر الأمراض النفسية شيوعًا، خاصة بين الشباب والعاطلين عن العمل والنساء. ويتجلى في الحزن المستمر، وفقدان الرغبة بالحياة، والعزلة، واضطرابات النوم والشعور بالعجز واليأس.
أما اضطرابات القلق ونوبات الهلع، فأصبحت منتشرة بشكل واسع نتيجة الخوف من المستقبل وعدم الاستقرار الاقتصادي والأمني، حيث يعاني كثير من الشباب من التوتر المزمن والتفكير الكارثي وصعوبة النوم.
وشهد العراق أيضًا ارتفاعًا ملحوظًا في حالات الوسواس القهري والإدمان وتعاطي المخدرات، إذ يلجأ بعض الشباب إلى المخدرات أو المهدئات للهروب من الضغط النفسي والقلق والاكتئاب.
كيف تشكلت ثقافة العنف؟
لفهم جذور العنف في العراق لا بد من العودة إلى التاريخ الحديث للبلاد. فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، عاش العراقيون سلسلة متواصلة من الحروب والصدمات الجماعية. هذه الحروب لم تدمر الاقتصاد والبنية التحتية فقط، بل غيّرت أيضًا الطريقة التي ينظر بها الناس إلى القوة والخوف والعلاقات الاجتماعية.
ومع ضعف مؤسسات الدولة خلال فترات طويلة، توسعت سلطة العشيرة والسلاح والجماعات المسلحة، وأصبح الاحتكام إلى القوة أكثر حضورًا من الاحتكام إلى القانون. وفي بعض المناطق، تحولت “الفصول العشائرية” إلى بديل فعلي للمؤسسات القضائية، ما عزز فكرة أن القوة هي الوسيلة الأسرع للحصول على الحقوق أو فرض الهيبة.
كما لعب الفقر والبطالة دورًا مهمًا في تصاعد العنف، إذ تؤكد الدراسات الاجتماعية أن البيئات التي تعاني من الحرمان الاقتصادي تكون أكثر عرضة للجريمة والعنف الأسري والانحراف السلوكي.
الأسرة والمدرسة وإعادة إنتاج العنف
من أخطر جوانب الأزمة أن العنف لا يُمارس فقط في الشارع، بل يبدأ أحيانًا من داخل البيت نفسه. فما زالت بعض البيئات تعتبر الضرب والإهانة وسيلة “طبيعية” للتربية، الأمر الذي يخلق أجيالًا تنمو على فكرة أن العنف وسيلة مقبولة لحل المشكلات.
فالطفل الذي يتعرض للإهانة أو التخويف أو الضرب المستمر غالبًا ما يحمل معه مشاعر خوف وغضب مكبوتة، وقد يعيد إنتاج هذا السلوك لاحقًا داخل أسرته أو مجتمعه.
كما أن بعض المدارس لا تزال تعتمد أساليب قاسية في التعامل مع الطلبة، ما يعزز ثقافة الخوف والطاعة العنيفة بدلًا من الحوار والتفاهم.
جرائم قتل النساء.. الوجه الأكثر قسوة للعنف
من أخطر مظاهر العنف الاجتماعي في العراق تصاعد جرائم قتل النساء، سواء داخل البلاد أو حتى بين بعض العائلات العراقية المهاجرة واللاجئة في الخارج. فهذه الجرائم ترتبط أحيانًا بما يُعرف بجرائم بالعنف الأسري والسيطرة الذكورية.
وقد أثارت قضايا عديدة غضبًا واسعًا داخل العراق وخارجه، من أبرزها قضية الشابة العراقية وصانعة المحتوى “طيبة العلي”، التي قُتلت على يد والدها بعد عودتها من تركيا، في جريمة أعادت الجدل حول القوانين المخففة لجرائم العنف ضد النساء.
وفي السويد، في نوفمبر تشرين الثاني 2019، تحولت قضية الشابة السويدية “ويلما أندرسون” إلى واحدة من أكثر الجرائم إثارة للرعب بعد العثور على رأسها داخل حقيبة في منزل الشاب العراقي “تيشكو أحمد شرزاد”، في قضية سلطت الضوء على العنف القائم على السيطرة والعلاقات العاطفية السامة، وسط برود الجاني واستمراره في إخفاء بقية جثتها.
وفي تركيا، في سبتمبر أيلول 2021، أثارت جريمة مقتل الشابة العراقية “سالي علي العبود” على يد الشاب العراقي “أمجد محسن محمد” حالة غضب واسعة بين العراقيين، بعد تقطيع جثتها وإخفائها بدم بارد، وسط اتهامات تتعلق بالعنف والسيطرة والاستغلال.
كما شهدت إندونيسيا في مارس آذار 2026 قضية مشابهة تمثلت في مقتل “ديوينثا أنغغاري”، حفيدة الفنانة الإندونيسية الشهيرة “مبوك نوري”، على يد زوجها السابق العراقي “رشاد فؤاد طارق جميل”، لتفتح القضية ملفًا جنائيًا معقدًا امتزجت فيه الغيرة والسيطرة العاطفية والانفصال ومحاولات العودة القسرية للعلاقة، وصولًا إلى جريمة هزّت الرأي العام الإندونيسي وتصدرت عناوين الصحف المحلية.
تكشف هذه القضايا وغيرها الكثير أن المشكلة لا ترتبط بمكان جغرافي محدد بقدر ارتباطها بثقافة اجتماعية ونفسية متجذرة، تقوم على السيطرة والعنف وضعف الوعي بالصحة النفسية واحترام المرأة. كما يرى مختصون أن كثيرًا من مرتكبي هذه الجرائم يحملون تاريخًا من العنف أو الاضطرابات النفسية أو التربية القائمة على القسوة والهيمنة، في ظل غياب الدعم النفسي والردع القانوني الكافي.
وتشير تقارير الأمم المتحدة وهيئة الأمم المتحدة إلى أن المنزل أصبح أخطر مكان بالنسبة لكثير من النساء، وأن عشرات الآلاف من النساء والفتيات يُقتلن سنويًا حول العالم على يد شركائهن أو أفراد من عائلاتهن.
ويرى مختصون في علم النفس أن هذه الجرائم ترتبط بثقافة السيطرة والخوف من فقدان السلطة داخل الأسرة، إضافة إلى آثار الصدمات والعنف المتراكم والاضطرابات النفسية غير المعالجة.
الإعلام ومواقع التواصل وتأجيج الكراهية
ساهمت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في مضاعفة التوتر المجتمعي، إذ أدى التعرض اليومي لمشاهد الجرائم والقتل إلى ما يُعرف نفسيًا بـ”التبلد الانفعالي”، أي فقدان الحساسية تجاه الألم والعنف بسبب التكرار المستمر.
كما ساهم خطاب الكراهية والطائفية والتنمر الإلكتروني في رفع مستويات الغضب والانقسام والخوف داخل المجتمع.
النتائج النفسية والاجتماعية للعنف
إن استمرار ثقافة العنف يهدد مستقبل المجتمع العراقي على مستويات متعددة. فالعنف الأسري يؤدي إلى تفكك العائلات وارتفاع معدلات الطلاق والانتحار والاضطرابات النفسية، بينما يؤدي انتشار السلاح والنزاعات العشائرية إلى إضعاف سلطة الدولة وتقويض الثقة بالقانون.
وعلى المستوى النفسي، ينشأ جيل يعاني من القلق المزمن واضطرابات ما بعد الصدمة وفقدان الإحساس بالأمان والاستقرار العاطفي، ما ينعكس على العلاقات الاجتماعية والتعليم والعمل وحتى على تربية الأجيال الجديدة.
كيف يمكن مواجهة الظاهرة؟
إن معالجة ثقافة العنف في العراق تحتاج إلى مشروع طويل الأمد تشارك فيه الدولة والمجتمع والمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية.
فالخطوة الأولى تبدأ بفرض سلطة القانون وحصر السلاح بيد الدولة وإنهاء الإفلات من العقاب. كما يحتاج العراق إلى توسيع خدمات الصحة النفسية وزيادة عدد الأطباء والمعالجين النفسيين، لأن البلد يعاني نقصًا حادًا في هذا المجال مقارنة بعدد السكان.
كما يجب إدخال برامج الدعم النفسي داخل المدارس والجامعات، ونشر التوعية بأن العلاج النفسي ليس عيبًا أو ضعفًا، بل ضرورة صحية مثل أي علاج طبي آخر.
كذلك يمكن لتحسين الاقتصاد وتوفير فرص العمل وتقليل الفقر أن يخفف من الضغوط النفسية التي تدفع بعض الأفراد نحو العنف أو الإدمان أو الانهيار النفسي.
أما الإعلام ورجال الدين ومنظمات المجتمع المدني، فيتحملون مسؤولية كبيرة في نشر خطاب معتدل يرفض الكراهية والثأر والطائفية ويعزز ثقافة الحوار واحترام الإنسان.
خاتمة
إن ثقافة العنف في العراق ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة تراكمات طويلة من الحروب والصدمات والانقسامات وضعف المؤسسات. وما يعيشه المجتمع اليوم ليس مجرد أزمة أمنية أو اجتماعية، بل أزمة نفسية جماعية تراكمت عبر عقود.
ورغم الصورة القاتمة، فإن ارتفاع الوعي بالصحة النفسية، خصوصًا بين الشباب، يمثل خطوة مهمة نحو التغيير. فكلما زاد الاهتمام بالعلاج النفسي والدعم الاجتماعي والتعليم والحوار، تقلصت مساحة العنف واتسعت فرص بناء مجتمع أكثر استقرارًا وإنسانية.
المراجع
جيل عراقي جديد يكسر حاجز الخوف من العلاج النفسي، صوت العراق، 18 مايو أيار 2026
https://www.sotaliraq.com/2026/05/19/%D8%AC%D9%8A%D9%84-%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A-%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D9%8A%D9%83%D8%B3%D8%B1-%D8%AD%D8%A7%D8%AC%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%88%D9%81-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D8%A7/
الحكومة البريطانية – تقرير حول العنف العشائري وجرائم الثأر في العراق، الموقع الرسمي لحكومة المملكة المتحدة، 8 يوليو تموز 2024، حُدِّثت في 6 مايو أيار 2026
https://www.gov.uk/government/publications/iraq-country-policy-and-information-notes/country-policy-and-information-note-iraq-blood-feuds-honour-crimes-and-tribal-violence-iraq-july-2024-accessible
جرائم قتل النساء في عام 2024: تقديرات عالمية لجرائم قتل النساء على يد الشريك الحميم/أفراد الأسرة، UN Women، نشر عام 2025
https://knowledge.unwomen.org/en/digital-library/publications/2025/11/femicides-in-2024-global-estimates-of-intimate-partner-family-member-femicides
عراقيون يحتجون على العنف القائم على النوع الاجتماعي بعد مقتل نجمة يوتيوب، وكالة أسوشيتد برس، 5 فبراير شباط 2023
https://apnews.com/article/iraq-government-crime-womens-rights-7ad0d8f321cce229e0f5d240679587bd
16 يومًا: معالجة مسببات العنف الأسري في العراق، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق (UNDP)، نشر عام 2022
https://www.undp.org/iraq/stories/16-days-tackling-triggers-intimate-partner-violence-iraq
تدين بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى العراق (يونامي) بشدة استمرار ممارسة جرائم الشرف، UN، نشر عام 2015
https://iraq.un.org/en/250193-unami-strongly-condemns-continued-practice-honor-killings
سيطرة وعنف وقصة حب خاطئة، ويلما أندرسون، جريمة حقيقية
سلوك الزوج السابق الذي قتل حفيدة مبوك نورِي، استأجر شقة لمراقبة زوجته السابقة
البحث عن جثمان الشابة العراقية سالي العبود في مكب نفايات
انتهى