ترامب يضع العالم على حافة الانفجار؛ فمن أعطاه حق تهديد الدول وابتزاز العالم؟
عدنان علامه – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
عاد ترامب ليرفع منسوب التوتر العالمي إلى مستويات غير مسبوقة، عبر تسريبات وتصريحات تتحدث عن “تأجيل عدوان كبير للغاية على إيران” لأيام قليلة، بالتوازي مع تهديدات مباشرة بأن “الوقت بدأ ينفد”، وأن على طهران إتخاذ قرار سريع.
والأخطر لم يكن فقط في التصريحات، بل في المناخ النفسي والإعلامي الذي رافقها؛ من تداول صور مولدة بالذكاء الأصطناعي، تُظهر ترامب أمام” الزر الأحمر”، وعلى قطعة عسكرية في وسط بحر هائج وتشبيه نفسه بجيمس بوند، في أشارة إلى العمليات السرية التي كان ينفّذها، إلى نشر فيديوهات مضادة تتحدث عن إحتمال إستهداف كابلات الإنترنت العالمية.
وكأن العالم يُدار بعقلية أفلام الكوارث النووية، وليس وفق القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
والمفارقة الساخرة أن ترامب أعلن مساءً أن ما يرضيه هو توقيع إيران على وثيقة تؤكد عدم سعيها لامتلاك سلاح نووي، بينما العالم بأسره يتذكر أن الرجل نفسه هو من مزّق الاتفاق النووي الإيراني في 8 أيار/مايو 2018، رغم أنه كان اتفاقًا مُوقّعًا بين إيران ودول (5+1) ومُثبتًا بالقرار 2231 الصادر عن مجلس الأمن الدولي.
أي أن ترامب يطالب الآخرين باإحترام التوقيع، بينما سِجّله السياسي قائم على الإنسحاب من الاتفاقيات والتنصل من الإلتزامات الدولية( إنسحاب مغَفاجذ من 66 منظمة أممية ودولية عام 2026)، ما جعل واشنطن في عهده، تتحول من دولة تدّعي قيادة “النظام الدولي” إلى قوة تهدد بنسف هذا النظام بالكامل.
والسؤال الأخطر الذي يفرض نفسه اليوم: من أعطى ترامب ونتنياهو أصلًا حق شن العدوان على إيران في السابق؟
فالهجمات المشتركة التي استهدفت الداخل الإيراني، سواء عبر الإغتيالات أو الضربات السيبرانية أو العمليات العسكرية المباشرة وغير المباشرة، جرت من دون أي تفويض من مجلس الأمن، ومن دون وجود حالة دفاع شرعي وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة؛ فما جرى كان تطبيقًا فعليًا لقانون الغاب، وتفعيل لقانون القوة.
حيث قررت واشنطن وتل أبيب منح نفسيهما حق مهاجمة دولة ذات سيادة، فقط لأنهما تعتبرانها خصمًا سياسيًا أو استراتيجيًا. وإذا أصبح هذا السلوك قاعدة دولية، فإن العالم سيدخل مرحلة إنهيار كامل لمنظومة الأمن الجماعي، لأن أي دولة قوية ستمنح نفسها الحق في مهاجمة من تشاء وأين تشاء ومتى تشاء.
والأخطر أن ترامب لا يتصرف كرئيس دولة ملتزم بالقانون الدولي، بل كزعيم مافيا دولية؛ يعتقد أن العالم شركة خاصة يديرها عبر التهديد والعقوبات والقوة العسكرية. فهو لم يكتفِ بالضغط على إيران، بل سبق أن تورط في سياسات عدوانية تجاه فنزويلا عبر دعم محاولات إسقاط السلطة،وخطف رئطس دولة ذات سيادة والاستيلاء على النفط الفنزويلي وفرض حصار اقتصادي خانق عليها.
كما لم يُخفِ عداءه التاريخي لكوبا، وهو بتحضر للإعتداء عليها.
واليوم يعيد إنتاج سياسة الابتزاز ذاتها مع إيران. لذلك، بدل مطالبة الدول الأخرى بالتوقيع على وثائق تعهدات؛ فإن المجتمع الدولي بات بحاجة ماسة إلى إلزام ترامب نفسه بالتوقيع على إلتزامات واضحة بعدم الاعتداء على الدول ذات السيادة وعدم إستخدام القوة خارج الشرعية الدولية.
فإن استمرار الصمت الدولي على تهديدات ترامب ونتنياهو يشكل خطرًا عظيمًا، وأخطر من العدوان نفسه.
فمجلس الأمن، الذي يُفترض أنه الجهة المخولة بحفظ السلم والأمن الدوليين، يبدو عاجزًا أو متواطئًا ومتآمرََا مع التهديدات العلنية بشن عدوان جديد في الشرق الأوسط.
وأما الدول الكبرى، خصوصًا الدول الأعضاء الدائمون في المجلس، فتتصرف وكأن انهيار النظام الدولي لا يعنيها، رغم أن أي مواجهة واسعة مع إيران قد تتدحرج إلى حرب إقليمية أو حتى دولية يصعب إحتواءها.
وفي ظل هذا المناخ المشحون، لا يمكن تجاهل سيناريوهات الرد الإيرانية المحتملة، ومنها التهديد غير المباشر المتعلق بكابلات الإنترنت العالمية أو الملاحة البحرية في مضيق هرمز والطاقة.
فحين تُدفع الدول إلى الزاوية عبر التهديد المستمر والحصار والاعتداءات، تصبح إحتمالات الرد غير التقليدي أكثر واقعية.
وعندها لن تبقى الأزمة محصورة في الشرق الأوسط، بل ستتحول إلى أزمة عالمية تضرب الإقتصاد والإتصالات إمدادات الطاقة والإستقرار الدولي برمّته.
فإن أخطر ما يفعله ترامب اليوم ليس فقط التهديد بالعدوان، بل تطبيع فكرة أن رئيسًا أمريكيًا يستطيع، عبر منشور أو تصريح أو صورة ذكاء اصطناعي، أن يضع العالم على حافة الانفجار النووي والسيبراني والإقتصادي، من دون أي محاسبة أو رادع قانوني أو أخلاقي.
فعندما يصبح القانون الدولي مجرد ورقة تُستخدم ضد الخصوم وتُرمى عند مصالح واشنطن وتل أبيب؛ فإن البشرية كلها تصبح رهينة مزاج سياسي متقلب ونرجسية مضطربةلا حدود لها قد يشعل العالم خلال دقائق.
وإنَّ غدًا لناظره قريب
19 أيار/ مايو 2026