د. فاضل حسن شريف
عن العتبة العلوية المقدسة شذرات من حياة الإمام الجواد عليه السلام: عهد الصبا: وترعرع المولود الشريف في رعاية والده العظيمعليه السلام كما يترعرع الورد على كف النسيم، يضفي عليه والده المعارف والأداب، فتجتمع أصول الحسب بشرف المحتد، فإذا بالمواهب تتفتح كما يتفتح الفجر عن صبح بهيج. وإذا بمشيئة الله تتعلق على أن يكون الطفل وهو في صباه سيداً وإماماً. سبق الدهر كله في صباه و مشى الدهر خادماً من ورائه. وعندما كان الإمام الجواد عليه السلام في الخامسة من عمره جاءت رسل المأمون العباسي تحث والده الإمام الرضاعليه السلام ليهاجر إلى العاصمة الجديدة للبلاد الإسلامية وهي خراسان، ويكون ولي العهد وذلك بعدما قتل المأمون أخاه الأمين، وكانت الظروف تُكره الإمام علي بن موسى عليه السلام على أن يغادر المدينة إلى خراسان عاصمة المسلمين الجديدة، حيث إن الحرب التي قامت بين الأخوين العباسيين، الأمين والمأمون، كانت قد صرفت كثيراً من طاقات المسلمين وجعلتها وقوداً مشتعلاً لها، بل قامت ثورة خراسان على كتف الشيعة هناك الذين استخدموا في ثورة العباسيين الأولى ضد الحكم الأموي، ثم سرقت ثورتهم بانحراف القادة وذهبت مساعيهم أدراج الرياح، وهذه الثورة الثانية قامت كرد فعل قوي لانحراف دفة الحكم عن آل بيت الرسول صلوات الله عليهم، أصحابه الشرعيين، والمأمون كان ممن تشيع ظاهراً ونادى بمبادئ الشيعة صريحاً في باكورة أمره، وأكره الإمام الرضا عليه السلام على الرحيل إلى خراسان ليثبت فكرة تشيعه في قلوب التابعين ثم يصنع ما يشاء. استعد الإمام الرضا عليه السلام للرحيل ولكنه كان يعلم يقيناً بما سوف يحدث له بعد سفره، إنها رحلة واضحة المعالم، ولكنها خطة يجب أن يسير عليها الإمام حسب الظروف وحسب التعاليم الظاهرية للدين الإسلامي، يجب عليه أن يبلّغ فيعذر، ويعمل حسب مقدرته على بث الوعي الصحيح للمسلمين وإن كان ذلك سوف يؤدي بحياته الكريمة، ثم ودّع أهله وجعل الخليفة عليهم ابنه الجواد عليه السلام، وهو ابن الخامسة فقط، لِمَا كان يعرف منه من الكفاءة الموهوبة، وراح الرضا يخترق السهل والجبل إلى خراسان حيث تستقبله الجماهير المؤمنة ويجعلونه ولياً لعهدهم، تنتقل إليه الخلافة الإسلامية بعد المأمون، وكانت الرسائل تربط بين الوالد والولد، فترد تباعاً بشأن الأمور الخاصة أو العامة.
الجواد صفة للشخص السخي كثير العطاء جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله جل اسمه “وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ” ﴿الرعد 22﴾ إطلاق الصبر يدل على اتصافهم بجميع شعبه وأقسامه وهي الصبر عند المصيبة والصبر على الطاعة والصبر عن المعصية لكنه مع ذلك مقيد بقوله:”ابتغاء وجه ربهم” أي طلبا لوجه ربهم فصفتهم التي يمدحون بها أن يكون صبرهم لوجه الله لأن الكلام في صفاتهم التي تنشأ وتنمو فيهم من استجابتهم لربهم وعلمهم بحقية ما أنزل إليهم من ربهم لا كل صفة يمدحها الناس فيما بينهم وإن لم ترتبط بعبوديتهم وإيمانهم بربهم كالصبر عند الكريهة تمنعا وعجبا بالنفس أو طلبا لجميل الثناء ونحوه كما قيل: وقولي كلما جشأت وجاشت. مكانك تحمدي أو تستريحي. والمراد بوجه الرب تعالى هو الجهة المنسوبة إليه تعالى من العمل ونحوه وهي الجهة التي عليها يظهر ويستقر العمل عنده تعالى أعني المثوبة التي له عنده الباقية ببقائه وقد قال تعالى: “وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ” (آل عمران 195)، وقال “وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ” (النحل 96) وقال:” كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ” (القصص 88). وقوله: “وأقاموا الصلاة” ﴿الرعد 22﴾ أي جعلوها قائمة غير ساقطة بالإخلال بأجزائها وشرائطها أو بالاستهانة بأمرها، وعطف الصلاة وما بعدها على الصبر من عطف الخاص على العام اعتناء بشأنه وتعظيما لأمره. كما قيل.
جاء في صحيفة الزمان عن شذرات من سيرة الإمام الجواد عليه السلام للكاتب حسين الزيادي: إمامة الإمام الجواد: المفهوم والدلالة: لقد كان الإمام محمد بن علي الجواد عليه السلام مدرسةً متكاملةً مثلت الذروة في التكوين الروحي والعلمي، فكان أفضل أهل عصره عبادةً وزهداً وتقى، وأكثرهم إحاطةً بالعلوم والمعارف والآداب، متفرداً بكمال العقل ووقاد الذكاء وأصالة الحكمة والنبوغ، ومنذ ولادته في المدينة المنورة في شهر رمضان المبارك سنة 195 هـ تقلب في أحضان الإمامة، ناهلاً من معين مدرسة أبيه الإمام الرضا عليه السلام حتى استوعب بصيرتها واستقطب معارفها، فأضحى آيةً من آيات الله وحجةً بالغةً في العلم والفضل رغم صغر سنه ونعومة أظفاره، ليتولى أمانة الهداية في ريعان الصبا بعد فقده لأبيه وهو لم يبلغ الثامنة من عمره الشريف، مجسداً بذلك أرقى معاني الجود والكرم التي استحق بها لقبه الأشهر، حيث لم يكن جوده مجرد عطاء مادي بل كان فلسفةً قائمةً على استباق السؤال وحفظ كرامة السائل، مؤكداً في نهجه أن “أهل المعروف أحوج إلى اصطناعه من أهل الحاجة إليه”، وهو ما تظهره الشواهد التاريخية في دقة توزيعه للأموال وتفقده للفقراء في المدينة، ليرسم بذلك منظومةً إرشاديةً متكاملةً تحذر من ازدواجية السر والعلانية، وتجعل من العلم بوصلةً للإصلاح، ومن حسن الخلق عنواناً لصحيفة المؤمن، ومن سلامة النفس الاشتغال بإصلاح عيوبها عن تتبع عيوب الآخرين، مما يجعل من سيرته منهجاً أخلاقياً ومعرفياً عابراً للأزمان. الإمام الجواد..المنظومة الإرشادية: تُمثل كلمات الإمام الجواد دستوراً أخلاقياً يضيء مسارات السلوك الإنساني، ويمكن تبويب هذه الإرشادات وفق المحاور عدة ابرزها محورية العلم والوعي، فقد أكد الإمام على ضرورة المعرفة قبل الممارسة بقوله: من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح، وهذا يتماشى مع المنهجية الأكاديمية التي تقتضي بأن العلم هو الضابط الوحيد لسلامة المخرجات السلوكية والعملية، كما اكد عليه السلام على الرقابة الذاتية والصدق مع النفس: حذر الإمام من ازدواجية الشخصية، داعياً إلى تطابق الظاهر والباطن، وهو ما يُعرف في علم النفس الحديث بالاتساق النفسي والنزاهة الأخلاقية. حدد الإمام طريق الوصول إلى التمام الروحي عبر ثلاث ركائز هي: المراجعة الدائمة (الاستغفار): لتصحيح المسار الفردي والذكاء العاطفي (لين الجانب): لضمان جودة العلاقات الاجتماعية، والمسؤولية المجتمعية (الصدقة): لعلاج ثغرات المجتمع، وقد اعتبر عليه السلام أن حسن الخلق هو العنوان الأبرز لصحيفة المؤمن، وبدونه تظل العقائد والعبادات مجرد قشور تفتقر إلى الثمرة المرجوة.
وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله جل اسمه “وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ” ﴿الرعد 22﴾ والصبر في مرضاة الخالق، ولذلك يقول تعالى: “والذين صبروا إبتغاء وجه ربّهم” ﴿الرعد 22﴾ لقد أشرنا مراراً إلى مفهوم الإستقامة التي هي المعنى الواسع للصبر. أمّا معنى العبارة “وجه ربّهم” فقد تشير إلى أحد معنيين: أوّلا: كلمة الوجه في هذه الموارد تعني العظمة، كما نقول للرأي الصائب والمهمّ (هذا وجه الرأي) بإعتبار أنّ الوجه يمثّل الشكل الظاهر والمهمّ للشيء، كما في وجه الإنسان الذي يعتبر أهمّ جزء من جسده، وفيه يقع السمع والبصر والنطق. ثانياً: الوجه هنا بمعنى رضا الخالق، فهم يصبرون على المحن والمشاكل لجلب مرضاة الله، فإستعمال الوجه بهذا المعنى بسبب أنّ الإنسان عندما يريد أن يجلب رضا شخص يمعن النظر في وجهه (وعلى ذلك فهو يستعمل للكناية عن الشيء). وعلى أيّة حال فإنّ هذه الجملة تبيّن أنّ كلّ صبر وعمل خير تكون له قيمة عندما يصبح لوجه الله، وأيّ عمل آخر يقع تحت تأثير الرياء والغرور لا قيمة له مطلقاً. يقول بعض المفسّرين: إنّ الإنسان يصبر مرّةً لكي يقول عنه الناس: إنّ هذا كثير الإستقامة. وأُخرى لخشيته أن يقولوا عنه أنّه قليل الصبر، أو يصبر حتّى لا يشمت به الأعداء، أو يعلم أن لا فائدة من الجزع.. كلّ هذه الأُمور والنيّات لا تدخل ضمن الكمال الإنساني إلاّ إذا كانت خالصة لوجه الله. فهو يصبر ويستقيم لأنّه يعلم أنّ أيّ فاجعة أو مصيبة لها حكمة ودليل، ولا يقول ما يسخط الربّ، فهذا الصبر هو المعني بقوله تعالى: “إبتغاء وجه الله”.
جاء في موقع السرائر عن شبيهُ الأنبياء شذرات من مناقب الإمام الجواد عليه السلام للشيخ حسين كوراني: ترابط هذه المعجزات ينبغي التّنبُّه جيّداً إلى العلاقة الجذريّة بين معجزات هؤلاء الأنبياء، وبين معاجز الأئمّة عليهم جميعاً الصّلاة والسّلام، فالإعجاز في صغر السِّنّ في مجال النّبوّة، تأسيسٌ لأصلٍ عقائديّ، يُمكِّن من التّعاطي مع ما سيأتي في خطِّ الوصاية المحمّديّة بِيَقينٍ قرآنيّ. كما ينبغي التّنبُّه إلى تمهيد ظاهرة إمامة الإمام الجواد عليه السلام في السّابعة من عمره الشّريف – أو حواليها – لإمامة الإمام المهديّ المنتظَر عليه السلام في حوالي الخامسة من عمره الشّريف. إنَّ الفرق كبير جدّاً بين التّعامل مع هذه المعاجز منفصلة عن بعضها، أو فصل معاجز النّبّوة عن معاجز الإمامة، وبين التّعامل معها على قاعدة التّرابط والانتظام ضمن أصلٍ عقائديّ وقرآنيّ واحد، كما أنَّ الفرق كبيرٌ جدّاً بين التّفكير بمعجزة صِغر سنِّ الإمام الجواد دون الربط بينه وبين وصغر سنِّ الإمام المهديّ عليهما السلام حين تصدِّيهما لمهامّ الخلافة الإلهيّة، ووصاية رسول الله صلّى الله عليه وآله، وبين التّفكير بمعجزتَي هذين الإمامَين عليهما السلام. سيقودنا التّأمُّل في هذا التَّرابط – وتلقائيّاً – إلى التَّرابط بين نبوّة النّبيّ عيسى عليه السلام (في المهد)، وبين إمامة الإمام المهديّ المنتظر الذي أجمع المسلمون أنّه سينزل من حيث رفعه الله تعالى إليه، لِيَنصر المهديّ الذي يُحقِّق الله تعالى على يديه آمال النّبيّين والمُستضعفين. المِشكاة واحدة، والله تعالى بكلِّ شيءٍ عليم، وقد تكفَّل، سبحانه، بألَّا يكون للنّاس عليه حُجَّة، وأنّ له سبحانه الحجَّة البالغة، فمن الطّبيعي أن تُبنى الأُسس العقائديّة لمسيرة النّبوّة والإمامة – الواحدة – على غاية القوّة والوضوح. هكذا يمكننا أن ندرك أهمّيّة التّأسيس العقائدي لإمامة المهديّ المُنتظَر خاتم الولاية المحمّديّة، وندرك أيضاً مدى اللُّطف الإلهي للأجيال التي ستواجه ألوان التّشكيك بإمامة الإمام الجواد، ثمّ على امتدادِ دوراتٍ طويلةٍ من الزَّمن، تمتدّ قروناً بإمامة الإمام المهديّ المُنتظَر عليه السلام. أصلُ مبدأ “وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّاً” (مريم 12)، لُطفٌ إلهيّ، من تجلِّياته تعزيز الإيمان بالغَيْب. وتثبيته في القرآن الكريم لُطفٌ آخر، وتكراره في الأنبياء لمزيد تثبيته كأصلٍ عقائديّ مُسلَّم، فيضُ لطفٍ خاصّ، وكذلك هو شأن تكرّره في أكثر من إمام. وممّا ينبغي الوقوف عنده طويلاً في معجزة صِغر سنِّ الإمام الجواد، هو أنّه عليه السلام لم يُعمِّر طويلاً، فقد استُشهد في الخامسة والعشرين من عمره الشَّريف، وهذا يعني أنَّ كلّ فترة عمره كانت تحدّياً منه لخصومه، وتحدّياً من خصومه له… نستنتج أنَّ فرادة إعجاز إمامة الإمام الجواد عليه السلام، في المرتبة الأولى بين المعجزات الخاصّة جدّاً، وأنّها كانت في معرض التّحدّي والاختبار طيلة عمر الإمام عليه السلام.