جديد

حَدِيثُ الجُمُعَةِ[٩]

نزار حيدر

{وَخَافُونِ}.
والخوفُ على نوعَينِ؛ خوفٌ إِستراتيجيٌّ وهوَ الخوفُ من اللهِ تعالى الذي يحمي الإِنسان في الدُّنيا والآخرة {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} وخوفٌ تكتيكيٌّ وهوَ الخوفُ من الشَّيطان [خَوفُ المصلحةِ] والآيةُ تُشيرُ إِلى النَّوعَينِ {إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.
حتَّى الشَّيطانُ الذي يخدعُ أَولياءهُ ويضحكُ عليهِم يتركهُم في وسطِ الطَّريقِ ويتنصَّلُ عن المسؤُوليَّةِ في لحظةٍ من اللَّحظاتِ بذريعةِ الخَوفِ من الله تعالى {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ۚ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} و {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ}.
فالعاقِلُ يخافُ في كُلِّ الحالاتِ ليتجنَّبَ؛
*الإِنحرافَ عن الهدفِ.
*الضَّعفَ والإِنكسارِ.
*الظُّلمَ والعدوانِ.
*الهزيمةَ والفشلِ.
*التكبُّرَ والتجبُّرِ.
حتَّى الفَقرُ والنِّفاقُ يخافُ منهُما العاقِلُ كما يصفهُما أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) فلقَد قَالَ لِابْنِهِ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ {يَا بُنَيَّ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ الْفَقْرَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّه مِنْهُ فَإِنَّ الْفَقْرَ مَنْقَصَةٌ لِلدِّينِ مَدْهَشَةٌ لِلْعَقْلِ دَاعِيَةٌ لِلْمَقْتِ} وقوله (ع) {إِنِّي لَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مُؤْمِناً ولَا مُشْرِكاً، أَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَمْنَعُه اللَّه بِإِيمَانِه وأَمَّا الْمُشْرِكُ فَيَقْمَعُه اللَّه بِشِرْكِه، ولَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ كُلَّ مُنَافِقِ الْجَنَانِ عَالِمِ اللِّسَانِ يَقُولُ مَا تَعْرِفُونَ ويَفْعَلُ مَا تُنْكِرُونَ} وهوَ خَوفُ الحرصِ على حفظِ الحقوقِ وحمايةِ الإِنجازِ وتقويمِ المسيرةِ.
ولذلكَ فهذا النَّوعُ من الخَوفِ يحقِّقُ الإِستراتيجيَّات المرسومَة من خلالِ الإِستقامةِ على الطَّريقةِ وعدمِ الإِنجرارِ وراءَ المُغرياتِ أَو الوهمِ، بالثَّباتِ على تبنِّي واعتمادِ طهارةِ الأَدواتِ باستمرارٍ، فالهدفُ الطَّاهرُ لا يمكنُ أَن يتحقَّقَ بأَدواتٍ قذرةٍ والإِستراتيجيَّة الإِنسانيَّة لا يجوزُ تحقيقُها بمجموعةٍ من التَّكتيكات السبعيَّة والشيطانيَّة، فكما يقولُ المناطِقة فإِنَّ النَّتيجةَ هي مِن جنسِ المُقدِّماتِ والمُخرجاتِ من جنسِ الأَوليَّاتِ.
نفهمُ أَنَّ الخَوفَ على نوعَينِ؛
*خوفٌ بمثابةِ الطَّاقةِ الإِيجابيَّةِ عندما يُشكِّلُ حرصاً وانتباهاً واهتماماً كمَن يخافُ على إِبنهِ من التخلُّفِ في التَّعليمِ أَو كمَن يخشى على أُسرتهِ من العوَزِ الماديِّ فيفقدُ أَبنائهُ فُرَصَ العَيشِ الكريمِ والإِرتقاءِ بتعليمهِم وتوفيرِ الصحَّةِ والسَّلامةِ البدنيَّةِ والعقليَّةِ.
يشرحُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) خَوف نبيَّ الله موسى (ع) بقولهِ { لَمْ يُوجِسْ مُوسَى (ع) خِيفَةً عَلَى نَفْسِه بَلْ أَشْفَقَ مِنْ غَلَبَةِ الْجُهَّالِ ودُوَلِ الضَّلَالِ!}.
هذا الخوفُ والقلقُ يشكِّلُ حافزاً إِيجابيّاً للسَّعي الحثيث من أَجلِ تهيئةِ الأَرضيَّةِ المُناسبةِ واكتِسابِ أَسبابِ النَّجاحِ والتقدُّمِ والرفاهيَّةِ وحمايةِ المُجتمعِ من تضليلِ [الدجَّالةِ]، فلولا الخوفُ لما سعى المرءُ لتحقيقِ حياةٍ أَفضل وأَحسن لنفسهِ ولأُسرتهِ ولمُجتمعهِ.
فالخوفُ الذي أَبداهُ نبيُّ الله موسى (ع) لربِّ العالمينَ يدخلُ في هذا السِّياقِ {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ} فهوَ لم يخَف على نفسهِ وإِنَّما على المشروعِ الإِلهي من التَّكذيبِ فأَبدى خوفاً شفَّعهُ بطلبٍ لغلقِ منافذِ الفشلِ.
ولذلكَ حذَّر أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) من مغبَّةِ ارتداءِ أَسبابِ الفشلِ بقولهِ {وإِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَتَانِ؛ اتِّبَاعُ الْهَوَى وطُولُ الأَمَلِ فَتَزَوَّدُوا فِي الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا مَا تَحْرُزُونَ بِه أَنْفُسَكُمْ غَداً}.
فالخوفُ الذي يمنحكَ طاقةً إِيجابيَّةً خلَّاقةً ويمنحُ الآخرَ طاقةً سلبيَّةً مُدمِّرةً هو المُعادلة التي رسمَها أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) بقولهِ للصَّحابي الجليل أَبا ذرٍّ الغِفاري عندما أَبعدتهُ السُّلطة عن المدينةِ لقَسوةِ مواجهتهِ لحيتانِ الفسادِ {يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ غَضِبْتَ لِلَّه فَارْجُ مَنْ غَضِبْتَ لَهُ! إِنَّ الْقَوْمَ خَافُوكَ عَلَى دُنْيَاهُمْ وخِفْتَهُمْ عَلَى دِينِكَ فَاتْرُكْ فِي أَيْدِيهِمْ مَا خَافُوكَ عَلَيْه واهْرُبْ مِنْهُمْ بِمَا خِفْتَهُمْ عَلَيْه فَمَا أَحْوَجَهُمْ إِلَى مَا مَنَعْتَهُمْ ومَا أَغْنَاكَ عَمَّا مَنَعُوكَ! وسَتَعْلَمُ مَنِ الرَّابِحُ غَداً والأَكْثَرُ حُسَّداً}.
وهيَ القاعدةُ التي نعيشها كُلَّ يومٍ في العلاقةِ بينَ الفاسدِينَ والذينَ يتصدَّونَ لهُم بفضحهِم وتعرِيتهِم!.
*خوفٌ ينتِجُ طاقةً سلبيَّةً تكبِّلُ الإِنسان فلا تدعهُ يفكِّر بشكلٍ صحيحٍ أَو يتَّخذ القرار الصَّحيح أَو يُقدِم على خُطوةٍ جديدةٍ خاصَّةً إِذا كانَت الحاجةُ خارِج المألوف وخارج سياقات حياتهِ الرُّوتينيَّة، وعلى وجهِ الخصوصِ إِذا احتاجَ الجديد من القراراتِ والخطواتِ مقدارٌ من التَّضحيةِ أَو التَّنازلاتِ أَو الخسارةِ المُؤَقَّتةِ إِلى حينٍ!.
فالخوفُ الذي يُثبِّطُ المرءَ ويخلقُ عندهُ حالاتٍ من القلقِ غَيرِ المفهُومِ وغَيرِ المرغُوبِ والتردُّدِ الذي ليسَ لهُ داعي أَبداً أَو يشدَّهُ إِلى واقعهِ ولا يدعهُ ينطلِقُ بنفسهِ إِلى الأَمام ويحُولُ بينهُ وبينَ فُرصِ الخَيرِ، هو خوفٌ مدمِّرٌ وهو الذي يخيِّمُ على حياةِ الكثيرينَ طُوال الوَقت ولذلكَ ترى أَنَّ التَّجديدَ والتَّحديثَ والتَّطويرَ والإِبداعَ والتقدُّمَ والإِستثمارَ بالوقتِ والطَّاقاتِ عندنا ضعيفٌ جدّاً وقد يكونُ معدوماً في الكثيرِ من الأَحيانِ، فعندما تتكرَّرُ كثيراً كلمةُ [أَخاف] على لسانِ أَحدٍ بمُناسبةٍ ومن دونِ مُناسبةٍ فتأَكَّد بأَنَّهُ مُكبَّلٌ ومسجُونٌ في داخلِ شرنقةِ القلقِ والتردُّدِ!.
يقُولُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) {إِذَا هِبْتَ أَمْراً فَقَعْ فِيه فَإِنَّ شِدَّةَ تَوَقِّيهِ أَعْظَمُ مِمَّا تَخَافُ مِنْهُ}.
٢٠٢٦/٥/٢٢
لِلتَّواصُل؛
‏Instagram; @nazarhaidariq
‏www.tiktok.com/@nhiraq
‏Telegram CH; https://t.me/+5zUAr3vayv44M2Vh
‏Face Book: Nazar Haidar
‏ Skype: live:nahaidar
‏Twitter: @NazarHaidar5 [❌]
‏Whatsapp +1 (804) 960-5424
‏Telegram & Viber: + 1(804) 837-3920
Viber CH; https://invite.viber.com/?g2=AQAxlzOVVbtnWVTOLBFAqTbIlhJ1j%2Fllg%2FLNyG