صورة حقيقية للدكتور باسل الكبيسي بعد اغتياله في باريس 6 أبريل نيسان 1973
إيهاب مقبل
يُعدّ باسل الكبيسي (1934 – 6 نيسان أبريل 1973) من أبرز الشخصيات العراقية التي جمعت بين المسار الأكاديمي والعمل العام والنشاط السياسي المرتبط بالهمّ العربي العام، في مرحلة كانت المنطقة العربية تعيش خلالها تحولات حادة وصراعات ممتدة. وانتهت حياته باغتيال في العاصمة الفرنسية باريس، في عملية نسبت في معظم الروايات إلى جهاز الاستخبارات الإسرائيلي الموساد.
نشأة داخل بيت سياسي واجتماعي معروف
وُلد الكبيسي في بغداد عام 1934 داخل عائلة ميسورة ذات حضور إداري واجتماعي في العراق الملكي. وكان والده رؤوف الكبيسي من الشخصيات الإدارية في العهد الملكي، وتولى لاحقًا مناصب حكومية بينها محافظة البصرة.
ونشأ في بيئة سياسية واجتماعية انعكست لاحقًا على اهتماماته، حيث برز منذ وقت مبكر ميله إلى القضايا العربية العامة والتفاعلات السياسية في محيطه.
تعليم بين بغداد وبيروت وأمريكا
بدأ دراسته في بغداد، ثم انتقل إلى بيروت حيث التحق بـالجامعة الأمريكية فيها، قبل أن يُفصل عام 1954 على خلفية نشاطه السياسي.
وخلال تلك المرحلة، تعرّف على جورج حبش، أحد مؤسسي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهو لقاء يُنظر إليه في بعض الروايات بوصفه نقطة تحول في اهتمامه بالقضية الفلسطينية واتجاهاته الفكرية والسياسية اللاحقة.
لاحقًا انتقل إلى أمريكا الشمالية، حيث حصل عام 1956 على شهادة في العلوم السياسية من جامعة آدامز ستيت في كولورادو، ثم واصل دراساته العليا، فنال الماجستير من جامعة هوارد عام 1966، وكانت رسالته حول تطور الثورة الجزائرية.
وفي عام 1971، حصل على الدكتوراه من الجامعة الأمريكية في بيروت، وكانت أطروحته حول تطور بعض التيارات السياسية العربية خلال الفترة بين 1951 و1971، مع تركيز على التحولات الفكرية والتنظيمية في العالم العربي.
عودة إلى العراق وبداية الصدام السياسي
عاد الكبيسي إلى العراق في منتصف الخمسينيات، وانخرط في العمل العام، وعُيّن عام 1956 مديرًا لمكتب وزير الخارجية العراقي، وهو منصب أتاح له الاطلاع على دوائر صنع القرار في تلك المرحلة.
لكن مسيرته دخلت لاحقًا مرحلة من التوتر السياسي، إذ اعتُقل عام 1958 على خلفية أحداث مرتبطة بالوفد الأردني في بغداد، إضافة إلى اتهامات بمحاولة استهداف الملك فيصل الثاني.
وبعد سقوط النظام الملكي في يوليو تموز 1958، أُفرج عنه ليغادر العراق لاحقًا دون عودة.
بيروت.. منفى السياسة وبوابة العمل الأكاديمي
غادر الكبيسي إلى بيروت، التي كانت آنذاك مركزًا حيويًا للنقاشات السياسية والحركات الفكرية العربية.
وفي هذه المرحلة، جمع الكبيسي بين العمل الأكاديمي والنشاط السياسي، حيث عمل أستاذًا في الجامعة الأمريكية في بيروت، وواصل اهتمامه بالقضايا العربية، مع تركيز خاص على القضية الفلسطينية وما يرتبط بها من تطورات إقليمية.
وفي عام 1967، انضم إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وكان دوره، وفق عدد من الروايات، أقرب إلى العمل التنظيمي واللوجستي ضمن إطار الدعم العام للحركة.
انتقال إلى كندا وتوسع النشاط الأكاديمي
عام 1969 انتقل الكبيسي إلى جامعة كالغاري في كندا، حيث عمل أستاذًا في العلوم السياسية، واستمر في نشاطه الأكاديمي حتى عام 1973.
وخلال هذه الفترة، تشير بعض الروايات إلى أنه كان كثير التنقل بين مدن أوروبية دون حراسة، في وقت كان فيه الشرق والغرب يعيش تصاعدًا في الصراع السياسي والأمني على أكثر من مستوى.
ملف استخباري واسع وتقييمات أمنية
تذكر مصادر متعددة أن اسم الكبيسي ورد في ملفات استخباراتية خضع خلالها لمتابعة دقيقة من أجهزة أمنية مختلفة.
وتشير تلك الملفات إلى أن ملفه كان من أكثر الملفات كثافة، إذ تضمن تقارير وتحليلات ومذكرات وصورًا أرشيفية، ما يعكس حجم الاهتمام الأمني بتحركاته ونشاطه.
كما تذهب بعض الروايات إلى أن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي الموساد كان يصفه بأنه “شخصية ذكية وشجاعة”، مع الإشارة في تلك التقديرات إلى أنه كان يتحرك ضمن أنماط وروتينات متكررة نسبيًا من حيث الزمان والمكان، وهو ما اعتُبر – وفق تلك المصادر – عاملًا قد يُسهّل تتبع تحركاته واستهدافه.
ويُذكر أيضًا أن الكبيسي كان مدرجًا على قوائم اغتيالات داخل وحدات سرية يُشار إليها في بعض المصادر باسم “اللجنة العاشرة”، ضمن هيكل التخطيط لعمليات اغتيال استهدفت شخصيات عربية في تلك المرحلة، دون وجود تأكيد رسمي لطبيعة تلك القوائم.
كما زعم الموساد أن الكبيسي قدّم دعمًا لوجستيًا ومساهمة في مجال الاتصالات لصالح منظمة أيلول الأسود في أوروبا، وهي ادعاءات بقيت محل خلاف بين مصادر متعددة ولم تُحسم بشكل قاطع.
اغتيال في باريس عام 1973
في 6 أبريل نيسان 1973، انتهت حياة باسل الكبيسي في العاصمة الفرنسية باريس، قرب فندق في شارع شوفو لاغارد، عندما تعرض لإطلاق نار مباشر، حيث قُتل برصاص عميلين من الموساد، في عملية نسبت على نطاق واسع إلى الجهاز الإسرائيلي، ضمن سلسلة اغتيالات أعقبت أحداث ميونيخ 1972.
وتشير روايات إلى أن المنفذين أطلقوا عليه تسع رصاصات من مسدس مزود بكاتم صوت، ما أدى إلى وفاته على الفور، قبل أن ينسحبوا من المكان بسرعة.
وبعد اغتياله، نُقل جثمانه إلى بغداد، حيث دُفن عقب جنازة رسمية وشعبية حضرها عدد كبير من المسؤولين العراقيين والفلسطينيين، في مشهد عكس حجم التفاعل السياسي مع الحادثة.
ما بعد الاغتيال
أعلنت السفارة العراقية في باريس أن ما جرى كان “عملية اغتيال سياسي نفذتها جهة استخباراتية إسرائيلية”.
كما أكدت مصادر فلسطينية أنه كان في مهمة تنظيمية لصالح القضية الفلسطينية في أوروبا وقت اغتياله.
ونُشرت أطروحته لاحقًا ضمن منشورات فكرية وسياسية، واعتُبر من الوجوه الأكاديمية التي جمعت بين البحث العلمي والانشغال بالقضايا العربية.
الحياة الشخصية
كان الكبيسي متزوجًا من نادرة الخضيري، الأكاديمية الحاصلة على دكتوراه في الأدب الإنجليزي، وله ثلاثة أبناء: أحمد وياسر ويعرب.
خاتمة
تبقى سيرة باسل الكبيسي واحدة من أكثر الملفات التي ما تزال تثير الجدل كلما أعيد فتح أرشيف الصراعات السياسية والاستخباراتية في سبعينيات القرن الماضي. فبعد أكثر من خمسة عقود على اغتياله في باريس عام 1973، لا تزال الروايات حول طبيعة نشاطه وظروف استهدافه تتراوح بين التوثيق السياسي والاتهامات الأمنية والسرديات غير المحسومة.
وفي كل مراجعة تاريخية جديدة، يُعاد طرح اسمه ضمن قائمة شخصيات عربية ارتبطت بسياقات صراع سياسي وأمني عابر للحدود، تتصدر فيها الاتهامات المعلنة جهاز الاستخبارات الإسرائيلي الموساد.
واليوم، في عام 2026، لا يُقرأ اغتيال الكبيسي بوصفه حدثًا من الماضي فقط، بل كجزء من ذاكرة سياسية مفتوحة على التأويل، تعكس استمرار سؤال العدالة التاريخية دون إجابة نهائية، واستمرار الجدل حول حدود العمل الاستخباراتي الإسرائيلي في زمن لم تعد فيه قواعد الاشتباك واضحة أو خاضعة لرقابة دولية فعّالة.
وهكذا، يبقى مقتله علامة عالقة في تاريخ المنطقة، لا تُغلقها السنوات، ولا تُنهيها الروايات، بل تعيد كل مرحلة لاحقة قراءتها من جديد، وفق موازين السياسة وذاكرة الصراع التي ما تزال ممتدة حتى اليوم.
المراجع
كاي بيرد، كتاب الجاسوس الجيد (2014)
آراون ج. كلاين، كتاب مجزرة أولمبياد ميونيخ 1972 وردّ إسرائيل القاتل (2007)
جيفري ريتشلْسون، كتاب أجهزة الاستخبارات الأجنبية (1988)
باسل رؤوف الكبيسي، حركة القوميين العرب 1951–1971: من جماعة ضغط إلى حزب اشتراكي، أطروحة دكتوراه باللغة الانجليزية، الجامعة الأمريكية، (1971).
https://www.proquest.com/docview/288010137
انتهى