جديد

الأمن الأسري المفقود(( دراسة سوسيولوجية في الجريمة وزنا المحارم))

بقلم الكاتب: حسين شكران العقيلي
ماجستير فقه مقارن
الأحد، 24 مايو/أيار 2026

​حين تضيق جغرافيا الأمان وتنكمش حدود الطمأنينة لتصبح الأسرة تلك القلعة التي يفترض أن تُشيد لحماية الإنسان من غوائل الزمن هي ذاتها مصدر التهديد والترويع فإننا لا نتحدث هنا عن مجرد انحراف سلوكي عابر بل نواجه زلزالاً سوسيولوجياً يضرب عمق النواة الصلبة للمجتمع.
إن الحديث عن كثرة زنا المحارم وارتباطه بالجريمة لم يعد ترفاً فكرياً أو خوضاً في محرمات اجتماعية نفضل طمرها خلف جدران الصمت بل غدا ضرورة ملحة تفرضها التحولات المتسارعة التي يعيشها عالمنا المعاصر فاليوم وأنت تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي تصطدم بشكل شبه يومي بأخبار جرائم يندى لها الجبين ويهتز لها الكيان الإنساني فظائع لا يستوعبها عقل كأن يقوم عمٌّ باعتداءٍ على ابنة شقيقه أو خالٍ ينهش براءة ابنة شقيقته أو حتى جيرانٍ يُفترض فيهم الجوار والذمام يرتكبون مثل هذه الموبقات البشعة والمأساة الأشد إيلاماً في هذه المشاهد المتكررة هي أن غلبة الضحايا يكنّ من البنات القاصرات اللواتي لا تتجاوز أعمار بعضهن التاسعة أو العاشرة من العمر فتُنحر طفولتهن على عتبات الغدر والقسوة وتتهاوى الحصانات التقليدية لتترك الأسرة عارية في مواجهة عواصف التفكك والضياع.
​لم تولد هذه الظاهرة القاسية من فراغ بل هي نتاج تراكمي لبيئات اجتماعية مأزومة؛ فالأسرة التي تخلت عن أدوارها الرقابية والتوجيهية وانشغلت بالركض وراء متطلبات الحياة المادية على حساب البناء الروحي والأخلاقي هيأت بالضرورة مناخاً خصباً لنمو هذه الجرائم الصامتة ويتعقد المشهد أكثر حين تندمج هذه العوامل بتفشي آفة الإدمان والمخدرات التي تلعب دور المغيب القسري للعقل والوعي وتدمر تلك الكوابح الفطرية والنفسية التي تحكم علاقة المحارم أو المقربين بعضهم ببعض، فتتحول الغريزة في غياب العقل إلى وحش كاسر لا يرى في ذوي القربى أو الجيران إلا فريسة وما زاد الطين بلة في العقود الأخيرة هو ذلك السيل الجارف من الانفتاح الرقمي غير الموجه الذي جعل من المحتويات الشاذة والإباحية متاحة بنقرة زر الأمر الذي تسبب في تشويه الإدراك البشري وتسطيح القيم الأخلاقية والدينية لدى فئات هشة لم تجد من يحصنها فكرياً أو روحياً. يضاف إلى هذا كله تلك المعاناة الصامتة المرتبطة بضيق السكن والتكدس السكاني العشوائي، حيث يغيب الحد الأدنى من الخصوصية وتتداخل الحدود المكانية داخل البيت الواحد وهو ما يشكل انتهاكاً صارخاً لأسس التربية الوقائية التي دعت إليها الرسالات السماوية والسنن الفطرية، وفي مقدمتها الفصل بين الأبناء في المضاجع لمنع الاستثارات المبكرة وتثبيت مبدأ الحرمة والخصوصية.
​إن هذا التهاوي الحاد في بنية الأمان الأسري لا يمر دون أن يترك وراءه مقبرة من الضحايا والآثار المدمرة التي تشوه وجه المجتمع بأكمله. فالطفلة الضحية التي تتعرض لهذا النوع من الانتهاك في سن مبكرة تعيش في دوامة من التدمير النفسي المزمن، حيث تهتز في عينيها صورة (الحامي) ليصبح هو (الجلاد) وهو ما يورث صدمات نفسية معقدة تتراوح بين الاكتئاب الجسيم وفقدان الثقة بالوجود، وقد تنتهي في كثير من الأحيان بإنهاء الحياة هرباً من عار لم تقترفه، أو في المقابل، قد تتحول الضحية بفعل الكبت والتشويه النفسي إلى مجرم يمارس ذات السلوك في المستقبل، مما يخلق حلقة مفرغة من الجريمة لا تنتهي. علاوة على ذلك، فإن زنا المحارم والاعتداء على القاصرات لا يبقى حبيس الفعل نفسه، بل يجر خلفه سلسلة من الجرائم الارتدادية؛ فغالباً ما يقود التستر على هذه العلاقات الفادحة أو الخوف من الفضيحة الاجتماعية إلى ارتكاب جرائم قتل تحت مسمى الشرف أو اللجوء إلى الإجهاض السري أو التخلص من المواليد، مما ينقل الجريمة من حيز الانحراف السلوكي إلى حيز التهديد المباشر لحق الحياة، ويمزق النسيج الاجتماعي ليحوله إلى شظايا متناثرة يغيب عنها الأمان والوئام وتعمها الريبة والشك.
​أمام هذا الواقع السوسيولوجي المرير الذي تنقله لنا شاشات الهواتف كل يوم، لا يمكن للمجتمع أن يكتفي بدور المتفرج الصادم، بل يستدعي الأمر انتفاضة حقيقية وشاملة لصياغة حلول جذرية تقتلع هذا اليرقان من الجسد الأسري. تبدأ هذه المواجهة من العودة الجادة إلى التربية الوقائية والتوعية الأسرية، من خلال تعليم الأطفال والفتيات قاصرات السن ثقافة حماية الجسد وتحديد المسافات الآمنة مع الآخرين — حتى الأقرباء منهم — وتأهيلهم نفسياً للتبليغ عن أي انتهاك أو لمسة مشبوهة دون خوف أو تردد. كما يتطلب الأمر تدخلاً تشريعياً حازماً لتفعيل القوانين الرادعة التي لا تأخذها رأفة بمرتكبي هذه الفظائع بحق الطفولة والبراءة، وتتعامل مع الجريمة كخيانة عظمى للأمانة الإنسانية والاجتماعية. وبالموازاة مع المقاربة الأمنية والقانونية، تبرز الحاجة الماسة لإنشاء شبكات أمان وإرشاد نفسي وأسري تمتاز بالسرية المطلقة والاحترافية العالية، لتكون ملاذاً آمنًا للضحايا، تساعدهن على التعافي من آثار الصدمة وتعيد إدماجهم في الحياة. وأخيراً، لا يمكن فصل هذه المنظومة العلاجية عن معالجة الجذور الكبرى للأزمة، وذلك عبر تحسين الظروف المعيشية، ومكافحة الفقر والتكدس السكاني، وضرب أوكار الإدمان التي تمثل المغذي الأساسي لكل أشكال الجريمة. إن استعادة الأمن الأسري المفقود ليست مجرد رغبة، بل هي معركة وجودية تتطلب تضافر جهود الأسرة والمدرسة والدولة ومؤسسات المجتمع المدني، لنعيد للبيوت قدسيتها وحرمتها، وللإنسان كرامته وأمانه الفطري.