جديد

أجنحة غريبة وجذور منسية

​بقلم الكاتب: حسين شكران العقيلي
ماجستير فقه مقارن
السبت، 23 أيار 2026 م

​من أعمق المفارقات الإنسانية التي نشهدها في عصرنا الراهن، تلك الجدلية القائمة بين التحليق في فضاءات الطموح الشخصي، وبين الثبات في أرض الانتماء الوطني. ففي الوقت الذي تتسارع فيه خطى العالم نحو الفردانية المطلقة، وتتحول فيه الإنجازات الذاتية إلى معيار وحيد للنجاح، نجد أنفسنا أمام ظاهرة مقلقة تستدعي التأمل والنقد؛ وهي ظاهرة الأجنحة الافتراضية الغريبة التي يستعيرها الفرد ليحلق بها بعيداً عن فضائه الأم، تاركاً وراءه جذوراً منسية في طيات الإهمال والجحود. إنها معضلة تفضيل المكاسب الشخصية والمصالح الضيقة على حساب الولاء الصادق للوطن، وهي أزمة فكرية وسلوكية لا تضرب الفرد في قناعاته فحسب، بل تهدد البناء الاجتماعي والسياسي للمجتمعات من أساسه.
​تبدأ القصة عندما يتحول الطموح من طاقة إيجابية تدفع بالإنسان نحو البناء والتميز، إلى حالة من تضخم الذات، حيث يرى الفرد نفسه محور الكون، وتصبح الدولة أو المجتمع مجرد جسر للعبور، أو أداة لتحقيق مآربه الخاصة. في هذه اللحظة، يتراجع مفهوم “الولاء المشترك” ليحل محله مفهوم “المنفعة المتبادلة المشروطة”، فإذا غابت المنفعة أو قصرت المؤسسات في تلبية التطلعات الجارفة، انسلخ الفرد من هويته، واعتبر أن وطنه لم يعد يتسع لأجنحته. هذا التحليق الأناني غالباً ما يكون عارياً من أصالة الهوية؛ إذ كيف يمكن لإنجاز فردي، مهما بلغت قيمته العلمية أو المادية، أن يكتسب شرعيته الإنسانية إذا كان مبنياً على التنكر للأرض التي نبتت فيها أولى بذور هذا العطاء؟ إن الأجنحة الغريبة التي يستعيرها المرء من ثقافات أو مصالح خارجية قد ترفعه عالياً في فضاءات الشهرة والمال، لكنها تبقيه طائراً بلا وكر، مغترباً حتى وإن كان يعيش في قلب وطنه.
​عند تحليل هذه الظاهرة من منظور اجتماعي ونفسي، نجد أن غياب الولاء يمثل شرخاً عميقاً في البنية الأخلاقية للمجتمع. فالأوطان لا تُبنى بجهود العابرين الذين يربطون انتماءهم بمقدار ما يتقاضونه من مكاسب، بل تُبنى بسواعد الذين يرون في الشدائد فرصاً للتضحية، وفي الأزمات دافعاً للنهوض والتقويم. إن تغليب المصلحة الفردية بشكل مطلق ينتج طفيليات مجتمعية تسعى لامتصاص خيرات البلاد دون تقديم أي مقابل قيمي أو معرفي، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل مسيرة الإصلاح؛ لأن غياب روح المسؤولية الوطنية يجعل من العمل العام مجرد وظيفة لجمع المغانم بدلاً من كونه رسالة لخدمة الصالح العام.
​إن هذا الطرح لا يعني أبداً كبح جماح التطلع نحو الأفضل، أو محاربة التميز الشخصي، بل هو دعوة واعية للمصالحة بين الذات والكل. فالطموح الحقيقي والمثمر هو ذاك الذي يتغذى من طين الأرض، وينمو في ظلال الهوية الوطنية، ليعود في النهاية ثماراً يستظل بها الجميع. حين يمتلك الإنسان أجنحة قوية قادرة على التحليق في أعلى قمم المجد المعرفي أو المهني، وفي الوقت نفسه يحتفظ بجذور ضاربة في عمق تاريخه وأرضه، فإنه يحقق التوازن الأسمى للوجود الإنساني. أما الطيران بأجنحة غريبة، مستعارة من قيم الاستهلاك والتنكر، فهو ليس إلا رحلة قصيرة المدى، سرعان ما تهوي بصاحبها في غيابات النسيان والاغتراب النفسي، فالتاريخ لا يذكر إلا من تركوا بصماتهم في جدار أوطانهم، أما الذين عاشوا لأنفسهم وفقط، فيرحلون كالعابرين بلا أثر.