جديد

الدماء المتعفنة (( قراءة في سيكولوجية المستفيدين من الخراب))

​بقلم الباحث: حسين شكران العقيلي
ماجستير فقه مقارن
الثلاثاء، 26 مايو/أيار 2026

​حين يبلغ الانحدار القيمي أوجَه، وتتحول ركائز المجتمع من البناء والتنمية إلى الهدم والتهافت، تبرز في الأفق ظواهر سلوكية غريبة تستدعي التأمل والتحليل العميق. إن الرمزية الكامنة في مشهد (شجرة الشر) التي لا تحيا إلا بتقديم قرابين من الأنقياء والمصلحين كل يوم، تختزل في جوهرها واقعاً نفسياً واجتماعياً مأزوماً.
هذا الواقع لا يصنعه الظلام وحده بل تديمه فئة خطيرة من البشر تآلفت مع القبح وتغذت على الأزمات حتى أصبحت ترى في تعفن المبادئ وسيادة الفوضى بيئة مثالية للعيش والتربح إنها سيكولوجية المستفيدين من الخراب أولئك الذين يشربون من (الحقد الأسود) وينشرونه في تفاصيل الحياة اليومية ليطمسوا نور الإيمان والحقيقة.
​لتفكيك هذه الظاهرة النفسية المعقدة لا بد من إدراك أن الإنسان المستفيد من الخراب يعاني من تشوه بنيوي في منظومته الأخلاقية والإدراكية إذ يتحول لديه مفهوم المصلحة من كونه( منفعة متبادلة) داخل نسيج المجتمع، إلى (منفعة أنانية) قائمة على سحق الآخر في هذه البيئة المشوهة، تصبح جيفة الفساد مستساغة لدى هذه الفئة، بل إنهم يطورون آليات دفاعية نفسية تبرر لهم سلوكياتهم القبيحة فهم لا يرون في الدماء المتعفنة الساقطة من شجرة الفساد دليلاً على الجريمة بل ينظرون إليها كغنائم ومكاسب.
هذا العمى الأخلاقي يولد لديهم رعباً قسرياً من أي بادرة إصلاح أو بصيص نور لأن حضور القانون، والاستقرار، والعدالة، وسيادة أصحاب الكفاءات والمبادئ (الذين يمثلون قديسي المجتمع في مواجهة الفساد)، يعني مجتمعاً يلفظ القبح وبالتالي يعني زوال مكتسباتهم الطفيلية التي نمت في عتمة غياب المحاسبة والوعي.
​إن التراقص حول هذا الخراب ليس سلوكاً عفوياً بل هو ممارسة ممنهجة تهدف إلى إدامة العتمة وتغييب الوعي الجمعي فحين يعم الظلام، يسهل تمرير المصالح الضيقة وتغدو الممارسات المنحرفة هي الأصل. وهنا يكمن الخطر الأكبر حيث يسعى المستفيدون إلى حقن المجتمع بجرعات متتالية من الإحباط والحقد الأسود، لتتحول ثقافة اليأس إلى عدوى عامة تسلب المصلحين قدرتهم على التغيير، وتدفع بالأجيال نحو القبول بالأمر الواقع والاستسلام لرائحة الجيفة الفيفة التي باتت تزكم الأنوف.
​ولمواجهة هذا التمدد السرطاني لثقافة الخراب وتحصين أركان الأمة من هذا السقوط الأخلاقي والإداري، لم يعد التوصيف السردي كافياً بل نحن بحاجة ماسة إلى استراتيجيات عملية تعيد صياغة الواقع وتجفف منابع التغذية لهذه الشجرة الفاسدة.
وتبدأ أولى هذه المقترحات من التحصين الفكري المعرفي وتفكيك الخطابات المضللة إذ يتوجب على المؤسسات الأكاديمية والدينية والثقافية تعرية أدوات التجهيل الفكري ومحاربة الأفكار الهدامة التي تسوق للخراب تحت مسميات براقة، والتركيز على غرس قيم المواطنة الإيجابية ونشر الوعي بالقوانين والأنظمة الإدارية التي تقطع الطريق على العبث.
​وينبثق من هذا التحصين مقترح جوهري آخر يتمثل في التمكين المؤسسي للكفاءات وأصحاب الاختصاص الفقهي والقانوني والإداري فالشجرة الفاسدة تنبت في الفراغ، وحين تُدار مفاصل المؤسسات بعقول تمتلك النزاهة والتخصص والأكاديمية العالية، تتقلص تلقائياً مساحات المناورة أمام الانتهازيين وتستعيد الدولة هيبتها الخدمية والرقابية.
​علاوة على ذلك، تبرز الحاجة الملحة إلى تفعيل وتطوير منظومات الرقابة والمحاسبة والشفافية الرقمية؛ حيث إن أتمتة الإجراءات الإدارية وحصر التعاملات ضمن أطر قانونية صارمة يمنع استغلال الثغرات التي يقتات عليها الفاسدون، ويحول دون تقديم الأنقياء كقرابين للبيروقراطية المفسدة. ويرافق هذا التوجه مقترح يتصل بـتفعيل دور الوساطة الاجتماعية الإيجابية والروابط المجتمعية الأصيلة؛ فالمجتمعات التي تستند إلى إرث قيمي متماسك وأعراف اجتماعية واعية، تستطيع تشكيل جبهة صد مجتمعية تلفظ الملوثين، وتمنعهم من التسرب إلى النسيج العشائري أو الاجتماعي كوجهاء أو متحدثين، بل يتم عزلهم كعناصر هادمة للسلم الأهلي والاستقرار الاستراتيجي.
​في الختام، يظل صراع النور والظلام، والخراب والإعمار، صراعاً ممتداً يتطلب يقظة مستمرة وقوة في الطرح وشجاعة في التنفيذ. إن شجرة الشر مهما تضخمت وسقيت بدم الحقد، تظل نبتة بلا جذور حقيقية في أرض الفطرة الإنسانية السليمة. وبجهود المخلصين، وإعلاء صوت الحق، وإحلال الكفاءة والنزاهة مكان المحسوبية والفساد، سينقشع هذا الظلام حتماً، ليعود لنور الإيمان والحقيقة ألقه وبهاؤه، مطهراً المجتمع من جيفة الملوثين وعبث المستفيدين.