جديد

فريضة الحج في روايات أهل البيت (فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق) (ح 27)

د. فاضل حسن شريف

جاء في موقع أحباب الحسين عليه السلام عن الحجّ في نصوص أهل البيت: من الفريضة إلى النظام الإلهي: فلسفة الحج: إذا انتقلنا إلى فلسفة الحج فهناك جهات عدة في هذا: أولا: الحج سنة الاولين والأخرين ان فريضة الحج بحسب روايات اهل البيت عليهم السلام فريضة الهية عامة شاملة لجميع العصور والازمان عن أمير المؤمنين عليه السلام منها ما قاله ضمن خطبة له: (ألا ترون أنّ الله اختبر الأوّلين من لدن آدم إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار ما تضرّ ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع. ثمّ أمر آدم وولده أن يثنوا أعطافهم نحوه). وفي خبر روي في العلل وعيون الأخبار والخصال بسند ينتهي إلى الإمام الرضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام أنّ رجلا سأل أمير المؤمنين عليه السلام: (كم حجّ آدم من حجّة؟ فقال له: سبعمائة حجّة ماشياً على قدميه، وأوّل حجّة حجّها كان معه الصرد يدلّه على الماء وخرج معه من الجنّة.. وسأله عن أوّل من حجّ من أهل السماء فقال: جبرئيل عليه السلام).

عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله عز وجل “فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَو أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ” (البقرة 200) وقوله “فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا” (البقرة 200) بين سبحانه أن الناس في تلك المواطن أصناف فمنهم من يسأل نعيم الدنيا ولا يسأل نعيم الآخرة لأنه غير مؤمن بالبعث والنشور “وما له في الآخرة من خلاق” (البقرة 200) أي نصيب من الخير موفور. وجاء في التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله عز وجل “فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَو أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ” (البقرة 200) “فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وما لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ * ومِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النَّارِ * أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا واللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ” (البقرة 200-202). الناس في حجهم نوعان: نوع لا يطلب إلا متاع الدنيا، ولا همّ له إلا همها، وإذا عبد اللَّه فإنما يعبده من أجلها. وهذا النوع محروم من نعيم الآخرة، ونوع يطلب خير الدارين، ويعمل لدنياه وآخرته، ولهذا حظ وافر عند اللَّه غدا جزاء على صالح أعماله. ونقل صاحب تفسير روح البيان عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ان الحسنة في الدنيا هي المرأة الصالحة، وفي الآخرة الحوراء، أما عذاب النار فالمراد به المرأة السوء.. وسواء أصح هذا النقل عن الإمام، أم لم يصح فاني أعرف إنسانا يشعر من أعماق نفسه انه لوكان في جهنم، ثم خيّر بين الخروج منها على أن يعود إلى زوجته التي عاشرها في الدنيا، وبين البقاء في جهنم لاختار البقاء في جهنم على معاشرة تلك الزوجة التي أبدله اللَّه بخير منها..

من دعاء الإمام الحسين عليه السلام يوم عرفة: أَللَّهُمَّ فَأَعْطِنا في هذِهِ الْعَشِيَّةِ ما سَأَلْناكَ، وَاكْفِنا مَا اسْتَكْفَيْناكَ، فَلا كافِيَ لَنا سِواكَ، وَلا رَبَّ لَنَا غَيْرُكَ، نافِذٌ فينا حُكْمُكَ، مُحيطٌ بِنا عِلْمُكَ، عَدْلٌ فينا قَضاؤُكَ، اِقْضِ لَنَا الْخَيْرَ، وَاجْعَلْنا مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ، أَللَّهُمَّ أَوْجِبْ لَنا بِجُودِكَ عَظيمَ الأَجْرِ، وَكَريمَ الذُّخْرِ، وَدَوامَ الْيُسْرِ، وَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا أَجْمَعينَ، وَلا تُهْلِكْنا مَعَ الْهالِكينَ، وَلا تَصْرِفْ عَنّا رَأفَتَكَ وَرَحْمَتَك، يا أَرْحَمَ الرّاحِمينَ. أَللّهُمَّ اجْعَلْنا في هذَا الْوَقْتِ مِمَّنْ سَأَلَكَ فَأَعْطَيْتَهُ، وَشَكَرَكَ فَزِدْتَهُ، وَتابَ إِلَيْكَ فَقَبِلْتَهُ، وَتَنَصَّلَ إِلَيْكَ مِنْ ذُنُوبِهِ كُلِّها فَغَفَرْتَها لَهُ، يا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرامِ. أَللّهُمَّ وفِّقْنَا، وَسَدِّدْنا، واعْصِمْنا، واقْبَلْ تَضَرُّعَنا، يا خَيْرَ مَنْ سُئِلَ، وَيا أَرْحَمَ مَنِ اسْتُرْحِمَ، يا مَنْ لا يَخْفى عَلَيْهِ إِغْماضُ الْجُفُونِ، وَلا لَحْظُ الْعُيُونِ، وَلا مَا اسْتَقَرَّ فِي الْمَكْنُونِ، وَلا مَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ مُضْمَراتُ الْقُلُوبِ، أَلا كُلُّ ذلِكَ قَدْ أَحْصاهُ عِلْمُكَ، وَوَسِعَهُ حِلْمُكَ، سُبْحانَكَ وَتَعالَيْتَ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوّاً كَبيراً، تُسَبِّحُ لَكَ السَّماواتُ السَّبْعُ، وَالأَرَضُ وَمَا فيهِنَّ، وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ، فَلَكَ الْحَمْدُ وَالْمَجْدُ، وَعُلُوُّ الْجَدِّ، يا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرامِ، وَالْفَضْلِ وَالإِنْعامِ، وَالأَيادِي الْجِسامِ، وَأَنْتَ الْجَوادُ الْكَريمُ، الرَّؤُوفُ الرَّحيمُ.

وعن جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله عز وجل “فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَو أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ” (البقرة 200) قوله تعالى: “فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا” (البقرة 200) “إلخ” تفريع على قوله تعالى: “فاذكروا الله كذكركم آباءكم” (البقرة 200)، والناس مطلق، فالمراد به أفراد الإنسان أعم من الكافر الذي لا يذكر إلا آباءه أي لا يبتغي إلا المفاخر الدنيوية ولا يطلب إلا الدنيا ولا شغل له بالآخرة، ومن المؤمن الذي لا يريد إلا ما عند الله سبحانه، ولو أراد من الدنيا شيئا لم يرد إلا ما يرتضيه له ربه، وعلى هذا فالمراد بالقول والدعاء ما هو سؤال بلسان الحال دون المقال، ويكون معنى الآية أن من الناس من لا يريد إلا الدنيا ولا نصيب له في الآخرة ومنهم من لا يريد إلا ما يرتضيه له ربه سواء في الدنيا أوفي الآخرة ولهؤلاء نصيب في الآخرة. ومن هنا يظهر: وجه ذكر الحسنة في قول أهل الآخرة دون أهل الدنيا، وذلك أن من يريد الدنيا لا يقيده بأن يكون حسنا عند الله سبحانه بل الدنيا وما هو يتمتع به في الحياة الأرضية كلها حسنة عنده موافقة لهوى نفسه، وهذا بخلاف من يريد ما عند الله سبحانه فإن ما في الدنيا وما في الآخرة ينقسم عنده إلى حسنة وسيئة ولا يريد ولا يسأل ربه إلا الحسنة دون السيئة. والمقابلة بين قوله: “وما له في الآخرة من خلاق (البقرة 200)”، وقوله: “أولئك لهم نصيب مما كسبوا”، تعطي أن أعمال الطائفة الأولى باطلة حابطة بخلاف الثانية كما قال تعالى: “وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا” (الفرقان: 23)، وقال تعالى: “وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا” (الأحقاف 20)، وقال تعالى: “فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا” (الكهف 105).

جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله عز وجل “فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَو أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ” (البقرة 200) أمّا المراد من (ذكر الله) في هذه الآية فهناك أقوال كثيرة بين المفسّرين، ولكنّ الظاهر أنّها تشمل جميع الأذكار الإلهيّة بعد أداء مناسك الحجّ، وفي الحقيقة أنّه يجب شكر الله تعالى على جميع نعمه وخاصّة نعمة الإيمان والهداية إلى هذه العبادة العظيمة، فتكتمل الآثار التربويّة للحجّ بذكر الله. بعد ذلك يوضّح القرآن طبيعة مجموعتين من الناس وطريقة تفكيرهم.. مجموعة لا تفكّر إلاّ بمصالحها الماديّة ولا تتجّه في الدعاء إلى الله إلاّ من هذه المنطلقات الماديّة فتقول “فمن الناس من يقول ربّنا آتنا في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق” (البقرة 200). خلاق كما يقول الراغب تعني الفضائل الأخلاقية التي يكتسبها، وهنا على قول الطبرسي أنها تعني النصيب (الذي هو نتيجة الفضائل الأخلاقية).