غزة.. تكبيرات من تحت الأنقاض.
رويدا البعداني
من ثقوب المخيمات المنسية، ومن بين قوافل النزوح وحقائب الاغتراب، يستقبلون العيد بملابس بالية عفا عليها الزمن، وابتسامة عرجاء تحمل على كاهلها جراحًا لاتندمل… يستيقظون على صوت الفقد الضاري ليعانقوا طيوف من رحلوا دون وداع أخير.
ومنهم من يفتح عينيه على قذيفة تدك أركان منزله، فلا تبقي له ركنًا ولا سقفًا والناجي منهم هو من يرى من بين العتمة ضوءاً خافتًا لفرق الإنقاذ وهي تبحث عن مصدر الصراخ، فيجدوه محاصرًا بين خيبات أمل لم تجد لصرخاتها موقفًا عربيًا ينهي هذا الألم.
وفي جنبات الحنين الممتد سترى أمًا كالعادة في كل صباح عيد، تمسد بأصابع مرتجفة ضفائر ابنتيها اللتين رحلتا نحو السماء ذات فجر دامٍ، وأبًا يشد قبضته على صوت التكبير يمسك خيالًا بيد مبتورة لنجله الراحل، قاصدًا صلاة العيد بقلب يعيش على فتات وهم.
وامرأة مسنة تقف على ناصية الشوق المكلوم تنعى زوجها الشهيد بقصيدة حزينة، ثم تجلس لتحاكي ذكرياته الراحلة مع كل غروب.. وأخرى تنبش بين الركام تبحث عن حلم، عن ذكرى، عن رائحة حياة، فلا تجد إلا أطلالاً بالية وبقايا دماء لا تجدي معها كل تعازي الدنيا.
أطفال القطاع لا تكون ملابسهم الجديدة إلا أكفانًا، وأجواؤهم العيدية إما أن تكون طوابير مريرة تنتظر كسرة خبز أو شربة ماء تَعكر صفوه… عيديتهم رصاصات تخترق جيوب وجودهم، وألعابهم النارية دامية لا تبقي ولا تذر… أما عن الزيارات، فهي لبقايا مقابر قُصفت، ولأضرحة لم يبقَ منها إلا رائحة الزيتون.
ومع كل هذه المعاناة يشرق فجر العيد على القطاع بلوعة الدموع وقداسة التكبير وملحمة صمود، إذ لم تستطع المآسي أن تنزع حقهم التاريخي في الحياة على أرضهم بكرامة، وهي رسالة تؤكد أنهم سيورثون هذا الصبر لأجيالهم القادمة متمسكين بتراب وطنهم حتى آخر رمق وتثبت لكل من خذلهم أنهم باقون.. وللحلم بقية.
#اتحاد_كاتبات_اليمن.