نزار حيدر
ومن أَجلِ أَن نتعلَّمَ كيفَ نحمي الحقُوق سواءً حقُوق الفَرد أَو حقُوق الجَماعة علينا قبلَ ذلكَ؛
أ/ أَن يعرفَ كُلَّ واحدٍ منَّا حقوقهُ من خلالِ إِشاعةِ ثقافةِ الحقُوقِ، فالذي لا يعرِف حدودهُ وحقوقهُ تختلطُ عليهِ الأُمور لدرجةٍ أَنَّ حقوقهُ تتحوَّل إِلى مكرُماتٍ يتفضَّلُ بها عليهِ الحاكِم مثلاً أَو صاحبِ السُّلطةِ أَيّاً كانَ، فتراهُ يفرح إِذا [تكرَّم] عليهِ بحقٍّ يجهلهُ!.
أَو تراهُ يتجاوَز حدودهُ ليهضُمَ من حقُوقِ غَيرهِ وهوَ جاهِلٌ بما يفعلُ!.
ولذلكَ تحرَص النُّظُم التَّعليميَّة في البِلادِ المُتحضِّرةِ على تدريسِ مادَّةِ الدُّستورِ والقانُونِ للتَّلاميذِ وهُم بعدُ في المراحلِ الأَوَّليَّةِ من التَّعليمِ.
ب/ أَن نتعلَّمَ كيفَ ننتزِعَ الحقُوقَ ونحصلَ عليها بالطُّرقِ السلميَّةِ والمدنيَّةِ، فلا يكفي أَن تعرفَ حقوقكَ على الدَّولةِ لتحصلَ عليها وتتمتَّعَ بها وتحمِيها من دونِ أَن تعرفَ الطُّرقَ والأَساليبَ والوسائِلَ التي تنتزِعها بِها من أَنيابِ الجشعِينَ.
إِنَّ من المُلاحظاتِ الرَّائعةِ والجميلةِ التي يراها المُواطن في بلادِ الغربِ هو أَنَّهُ يجدُ أَمامهُ لائحةَ الحقُوقِ الخاصَّةَ بهِ عندَ مدخلِ كُلِّ الدَّوائرِ والمكاتبِ والمُؤَسَّساتِ الحكوميَّةِ وغَير الحكوميَّةِ ومِنها المُستشفيات وعِيادات الأَطبَّاء ليقفَ عندَها فيعرفَ ما الذي لهُ وما الذي عليهِ عندما يتعامَل معَ هذا الطَّبيب أَو ذاكَ المُدير ومنها مثلاً ما شاهدتهُ بأُمِّ عيني اللَّافتة التي كُتبت عليها العِبارة التَّالية في مدخلِ أَحدِ المطاعمِ التي تقدِّم اللَّحم الحَلال لزبائِنِها [وِفقاً للمادَّةِ (…) من قانُون الغِذاء الصَّادر عن إِدارةِ الغِذاء والدَّواء (FDA) تتوفَّر لدَينا تقاريرُ التَّفتيشِ عندَ الطَّلبِ].
والمُلفِتُ أَنَّ كُلَّ هذهِ الجِهاتِ تُقدِّمُ لكَ لائِحةَ الحقُوقِ مِن دونِ أَن تطلُبها فالمُبادرَةُ بمثابةِ قانُونٍ يحكُمها فليسَ من حقِّها أَن ترفعَ اللَّائحةَ أَو تُخفيها مثلاً إِذ يُعدُّ ذلكَ بمثابةِ التَّضليلِ الذي يُحاسِبُ عليه القانُون!.
ولذلكَ فإِنَّ أَوَّلَ خطابٍ أَلقاهُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) بُعيدَ بيعتهِ كخليفةٍ وحاكمٍ هو الذي حدَّدَ فيهِ الحقُوق والواجِبات المُتبادلَة بينَ الرَّاعي والرعيَّة بينَ الحُكمِ والأُمَّة قائلاً {أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً ولَكُمْ عَلَيَّ حَقٌّ؛ فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَيَّ فَالنَّصِيحَةُ لَكُمْ وتَوْفِيرُ فَيْئِكُمْ عَلَيْكُمْ وتَعْلِيمُكُمْ كَيْلَا تَجْهَلُوا وتَأْدِيبُكُمْ كَيْمَا تَعْلَمُوا، وأَمَّا حَقِّي عَلَيْكُمْ فَالْوَفَاءُ بِالْبَيْعَةِ والنَّصِيحَةُ فِي الْمَشْهَدِ والْمَغِيبِ والإِجَابَةُ حِينَ أَدْعُوكُمْ والطَّاعَةُ حِينَ آمُرُكُمْ}.
والخِطابُ للنَّاسِ وليسَ لفِئةٍ دونَ أُخرى من المُجتمعِ فهيَ حقوقٌ مدنيَّةٌ عامَّةٌ بغضِّ النَّظرِ عن خلفيَّةِ المُواطنِ في الدَّولةِ.
إِنَّ أَيَّةَ جماعةٍ كبيرةٍ كانت أَم صغيرةٍ، وأَوَّلُ نواتُها الأُسرة، إِذا لم تعرِف حقوقَها المُتبادَلة فستحكُمها الفوضى مهما كتبَت من دساتيرَ وقوانينَ، فالحقوقُ نِظامٌ وسلوكٌ وليسَت خِطابات ومقالات وهيَ أَوَّلاً فتحديدُها وتثبيتُها ضرورةٌ حضاريَّةٌ وإِنسانيَّةٌ ووطنيَّةٌ فضلاً عن كونِها ضَرورةٌ دينيَّةٌ.
ومن بينِ الحقوقِ التي ثبَّتتها رسالة الحقُوق للإِمام السجَّاد (ع) هي حقوُق النَّاصح والمنصُوح والمُشيرُ والمُستشيرُ فلقد فصَّل (ع) في أَمرِ النَّصيحةِ الواردةِ بخطبةِ جدِّهِ (ع) بالقَولِ {وأَمَّا حقُّ المُستشير فإِن حضركَ لهُ وجهُ رأيٍ جهدتَ لهُ في النَّصيحةِ، وأَشرتَ عليهِ بما تعلَم أَنَّك لو كنتَ مكانهُ عمِلتَ بهِ، وليكُن ذلكَ منكَ في رحمةٍ ولينٍ فإِنَّ اللِّينَ يُؤنسُ الوَحشةَ وإِنَّ الغُلظَ يوحشُ موضِعَ الأُنسِ، وإِن لم يحضركَ لهُ رأيٌ وعرفتَ لهُ مَن تثِقُ برأيهِ وترضى بهِ لنفسِكَ دللتهُ عليهِ، وأَرشدتهُ إِليهِ، فكنتَ لم تأله خيراً ولم تدَّخرهُ نُصحاً ولا حولَ ولا قوَّةَ إِلاَّ باللَّه.
وأَمَّا حقُّ المُشيرُ عليكَ فلا تتَّهمهً فيما لا يُوافقُكَ من رأيهِ إِذا أَشارَ عليكَ فإِنَّما هيَ الآراءُ وتصرُّفُ النًّاسُ فيها واختلافهُم فكُن عليهِ في رأيهِ بالخيارِ إِذا اتَّهمتَ رأيهُ، فأَمَّا تُهمتهُ فلا تجوزُ لكَ إِذا كانَ عندكَ مَن يستحقُّ المُشاورةَ ولا تدَع شُكرهُ على ما بدا لكَ من إِشخاصِ رأيهِ وحُسنَ وجهِ مشورتهِ فإِذا وافقكَ حمدتَ اللّه وقبِلتَ ذلكَ من أَخيكَ بالشُّكرِ والإِرصادِ بالمُكافأَةِ في مثلِها إِن فزعَ إِليكَ ولا قوَّةَ إِلَّا باللَّه.
وأَمَّا حقُّ المُستنصَحُ فأَن تؤَدِّي إِليهِ النَّصيحةَ على الحقِّ الذي ترى لهُ أَنَّهُ يحمِلُ ويُخرجُ المخرجَ الذي يلينُ على مسامعهِ، وتُكلِّمهُ من الكلامِ بما يطيقهُ عقلهُ فإِنَّ لكُلًّ عقلٍ طبقةٌ من الكلامِ يعرفهُ ويجتنِبهُ وليكُن مذهبكَ الرَّحمةَ ولا قوَّةَ إًلَّا باللَّه.
وأَمَّا حقُّ النَّاصحِ فأَن تلينَ لهُ جناحكَ ثُمَّ تشرئِبَّ لهُ قلبكَ وتفتحَ لهُ سمعكَ حتَّى تفهمَ عنهُ نصيحتهُ ثُمَّ تنظرُ فيها فإِن كانَ وُفِّقَ فيها للصَّوابِ حمدتَ اللَّه على ذلكَ وقبِلتَ منهُ وعرِفتَ لهُ نصيحتهُ وإِن لم يكُن وُفِّقَ لها رحِمتهُ ولم تتَّهمهُ وعلمتَ أَنَّهُ لم يألُكَ نُصحاً إِلَّا أَنَّهُ أَخطأَ إِلَّا أَن يكونَ عندكَ مستحِقاً للتُّهمةِ فلا تعبأ بشيءٍ من أَمرهِ على كُلِّ حالٍ ولا قُوَّةَ إِلَّا باللَّه}.
ولقد أَثبتت التَّجربة أَنَّ جهلَ هذهِ الأَطراف بحقُوقِها وواجباتِها يُفرِّغُ النَّصيحةَ والإِستشارةَ من جوهرِها ومُحتواها فبدلاً من أَن تكونَ النَّصيحةُ عاملَ بناءٍ وتثبيتٍ للثِّقةِ تتحوَّلُ إِلى سببٍ للهدمِ والتمزُّقِ والخلافِ، وبدلاً من أَن تكونَ الإِستشارةَ أَحدَ أَهمِّ أَسبابِ صناعةِ التَّكامُلِ في الرُّؤَى والأَفكارِ كما يصفُها أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) {مَنِ اسْتَبَدَّ بِرَأْيِه هَلَكَ ومَنْ شَاوَرَ الرِّجَالَ شَارَكَهَا فِي عُقُولِهَا} إِذا بها تتحوَّل إِلى مِعوَلِ هدمٍ وتخريبٍ!.
٢٠٢٦/٧/١٠