ضياء ابو معارج الدراجي
في مثل هذا اليوم، لم يكن التوقيع الذي وضعه نوري المالكي على قرار إعدام صدام حسين مجرد إجراءٍ قانوني، بل كان بالنسبة لكثيرٍ من العراقيين، وخصوصًا الشيعة، إغلاقًا لبابٍ أسود كان يمكن أن يعود منه الموت مرةً أخرى إلى الأزقة والبيوت والحسينيات.
ويوم جلس القاضي منير حداد على كرسي التنفيذ، لم يكن المشهد مجرد نهاية رجلٍ مهزوم، بل نهاية مرحلةٍ كاملةٍ من الرعب الذي عاشه العراق لعقود؛ مرحلة كانت فيها كلمةٌ واحدة تكفي لاختفاء عائلة، ونكتة صغيرة كافية لتعليق جثة شاب على أعمدة الكهرباء، ودمعة أم سببًا لطرق أبواب الأمن في منتصف الليل.
لكن السؤال المرعب الذي يخشاه كثيرون حتى اليوم:
ماذا لو لم يُعدم صدام؟
ماذا لو هُرّب خارج العراق كما هُرّب غيره؟
ماذا لو بقي حيًا ينتظر لحظة الانقضاض؟
الحقيقة المرّة أن العراق بعد 2003 لم يشهد استقرارًا كاملًا أصلًا، بل عاش سنوات من الدم والاقتتال والانفجارات والسيارات المفخخة. وكل هذا حدث وصدام داخل قبره… فكيف لو كان حيًا؟
لو خرج صدام من العراق، لتحوّل فورًا إلى “راية” تلتف حولها بقايا البعث والضباط الهاربون والتنظيمات المسلحة وكل الحاقدين على التحول الذي جعل الشيعة أغلبيةً حاكمة بعد عقود من التهميش والقمع. كانت الفضائيات ستعيد تقديمه بصفة “القائد المنفي”، وكانت الأموال تتدفق عليه من بعض الأنظمة الخليجية التي لم تُخفِ يومًا خوفها من عراقٍ يحكمه الشيعة.
كان سيظهر في تسجيلاتٍ صوتية متتابعة، يهدد ويتوعد، ويتحدث عن “تحرير بغداد”، بينما خلايا البعث النائمة تعود للعمل داخل المدن. وربما كنا سنشهد نسخةً أشد وحشية من أحداث 2006 و2007، لكن هذه المرة بقيادة مباشرة منه أو من أحد أبنائه.
تخيل فقط لو عاد البعث إلى السلطة في لحظة انهيار أمني أو فوضى سياسية… ماذا كان سيحدث؟
أول ما سيحدث هو فتح أبواب الثأر على مصاريعها.
ستُرفع صور صدام من جديد فوق الدبابات ونقاط التفتيش، وتبدأ حملات الاعتقال تحت عنوان “اجتثاث المليشيات الصفوية”، ثم تعود السجون السرية، ويُعاد تدوير لغة التخوين ذاتها:
هذا إيراني…
وهذا رافضي…
وهذا ولاؤه للحسين قبل الوطن…
وسيبدأ الدم بالنزف من جديد.
لن تكون هناك رحمة.
فالأنظمة التي تبنى على الحقد لا تنسى.
كانت الحسينيات ستُهدم مرةً أخرى، وتُغلق مواكب العزاء، وتُمنع الزيارات الدينية تحت ذريعة الأمن القومي. وستعود قوائم الإعدام الجماعي، لكن بوسائل أكثر تطورًا هذه المرة، وبدعم إقليمي ودولي أكبر، لأن العالم اليوم لا تحكمه الأخلاق بل المصالح.
وكان من الممكن أن يجد صدام أو وريثه دعمًا من شخصيات دولية متشددة مثل دونالد ترامب أو حكومة بنيامين نتنياهو، ضمن مشروع إقليمي هدفه إعادة تشكيل المنطقة وإضعاف أي قوة شيعية في العراق ولبنان وإيران. ومع المال الخليجي والإعلام المحرض، كانت نار الطائفية ستتحول إلى إعصار.
وقتها لن يكون الحديث عن خلاف سياسي، بل عن وجودٍ كامل مهدد بالإلغاء.
كان آلاف الشباب سيُقتلون على الهوية.
وكانت الأمهات ستعود للبحث عن أبنائهن بين المشارح والسجون.
وكانت شاحنات التهجير ستسير من الجنوب إلى المنافي، فيما تمتلئ الشوارع بجثث مجهولة الهوية كما حدث في سنوات الرعب.
وربما كانت الجنسية العراقية نفسها ستتحول مرةً أخرى إلى سلاح سياسي، فتُسقط عن عوائل كاملة بحجة “التبعية”، ويُعاد فتح ملف التهجير الجماعي كما حدث لعشرات الآلاف من الشيعة والكرد سابقًا.
إن أخطر ما في الأنظمة الدكتاتورية أنها لا تكتفي بالحكم، بل تريد الانتقام من الذاكرة نفسها.
تريد أن تجعل الضحية خائفة حتى بعد موت الجلاد.
ولهذا، فإن كثيرين يرون أن إعدام صدام لم يكن مجرد قصاص لرجل، بل قطعًا لطريقٍ كان يمكن أن يقود العراق إلى بحرٍ جديد من الدم.
ورغم كل ما جرى بعد 2003 من فسادٍ وصراعاتٍ وانهيارات، يبقى الخوف الأكبر لدى قسم واسع من العراقيين هو عودة ذلك الزمن الذي كانت فيه كلمة “شيعي” تهمة قد تكلّف صاحبها حياته.
لأن الشعوب التي خرجت من المقابر الجماعية، لا تنسى رائحة التراب المختلط بالدم.