جديد

من تبييض السجون قبل 2003 إلى حكم الدولة بعد 2003 ،كيف تحوّل لصوص وابناء الحصار والحواسم إلى صُنّاع القرار السياسي في العراق بعد 2020

ضياء ابو معارج الدراجي

ما يعيشه العراق اليوم ليس مجرد أزمة فساد عابرة، ولا مجرد سوء إدارة يمكن إصلاحه بتغيير وزير أو استبدال حكومة، بل هو تحوّل خطير وعميق في طبيعة الطبقة التي تحكم الدولة نفسها.

فالعراق خلال العقدين الماضيين لم يشهد فقط صعود أحزاب أو سقوط أخرى، بل شهد انتقال النفوذ تدريجيًا من أيدي السياسيين التقليديين ما بعد 2003 إلى أيدي طبقة مالية طارئة خرج قسم كبير منها من عالم الجريمة المنظمة، والسوق السوداء، والحواسم، والمال المنهوب.

وهذه الحقيقة، مهما حاول البعض تجميلها أو تغليفها بالشعارات، أصبحت واضحة في شكل الدولة، وفي نوعية الشخصيات التي تدير القرار، وفي حجم الانحدار الأخلاقي والسياسي الذي أصاب مؤسسات العراق.

البداية الحقيقية لهذه الكارثة لم تكن بعد 2003 فقط كما يعتقد كثيرون، بل بدأت فعليًا في سنوات الحصار خلال التسعينات، حين تحوّل المجتمع العراقي إلى ساحة صراع من أجل البقاء.

كان الحصار قاسيًا ومدمرًا، لكنه لم يضرب الاقتصاد وحده، بل ضرب المنظومة الأخلاقية والاجتماعية أيضًا.

في تلك السنوات، كان ملايين العراقيين يعيشون الجوع والفقر وهم يحافظون على شرفهم وكرامتهم، بينما ظهرت في المقابل طبقة أخرى تربّت على التهريب، والسرقة، والابتزاز، وتجارة السوق السوداء، وبيع كل شيء مقابل المال حتى البشر.

ومع مرور الوقت، بدأت هذه الفئات تبني شبكاتها الخاصة، مستفيدة من ضعف دولة، ومن انتشار الفساد داخل مؤسسات النظام الصدامي نفسه.

لكن أخطر ما حدث قبل سقوط نظام صدام بأشهر قليلة، كان ما عُرف حينها بـ”تبييض السجون”.

حين أُطلقت أعداد هائلة من السجناء والمجرمين وقطاع الطرق والقتلة بعفو شامل، في توقيت بدا وكأنه تمهيد متعمد لفوضى قادمة.

خرجت تلك الجماعات إلى الشارع العراقي وهي تحمل عقلية العصابة لا عقلية المواطن، وخرج كثير منهم بلا رادع أخلاقي أو قانوني أو اجتماعي.

ثم جاءت أحداث 2003، والاحتلال الامريكي، وغياب الأجهزة الأمنية، فوجد هؤلاء أنفسهم أمام أكبر فرصة في تاريخهم.

وهكذا بدأت مرحلة “الحواسم”.

ولكي نكون صريحين، فالحواسم لم تكن مجرد سرقات عشوائية قام بها فقراء جائعون كما يحاول البعض تبريرها اليوم، بل كانت عملية نهب ضخمة ومنظمة شاركت فيها شبكات واسعة تحولت لاحقًا إلى مراكز نفوذ اقتصادي وسياسي.

في تلك الأيام سُرقت الدولة العراقية علنًا.

المعامل فُككت، الدوائر نُهبت، ممتلكات الجيش بيعت، البنى التحتية جرى اقتلاعها، وحتى المدارس والمستشفيات لم تسلم من التخريب والسرقة.

ومن قلب تلك الفوضى وُلدت الثروات السوداء الأولى.

اللص الصغير أصبح يمتلك ملايين.

وقاطع الطريق تحول إلى تاجر.

ومهرب النفط صار رجل أعمال.

وبعض من كانوا مطلوبين جنائيًا أصبحوا لاحقًا “شخصيات اجتماعية” و”شيوخ عشائر” و”مستثمرين” و”رجال دولة”.

ثم بدأ المال القذر يبحث عن حماية أكبر، فدخل السياسة.

في البداية كان التمويل يتم بصمت ومن خلف الستار، لكن مع مرور السنوات بدأ المال السياسي يبتلع الحياة السياسية العراقية بالكامل.

أصبحت الانتخابات تحتاج إلى مليارات، والولاءات تُشترى، والإعلام يُباع، والأحزاب تُدار بعقلية الشركات التجارية.

لكن المنعطف الأخطر ظهر بوضوح بعد انتخابات 2018 والتي بدأت تباشيرها بعد عام 2014 بين سقوط الموصل وتحريرها، حين بدأت ملامح الدولة التقليدية بالتفكك أكثر، وبدأ المال السياسي يخرج إلى العلن بلا خوف ولا خجل.

ثم جاءت احتجاجات 2019، واستقالة حكومة عادل عبد المهدي، والصراع على تسمية البديل، لتكشف حجم التدخلات المالية والإقليمية في القرار العراقي.

في تلك اللحظة تحديدًا، لم يعد الحديث يدور حول برامج سياسية أو مشاريع دولة، بل حول مَن يمتلك المال والنفوذ وقدرة شراء المواقف.

وعندما طُرح اسم عدنان الزرفي، ظهرت الانقسامات الحادة داخل القوى السياسية، ثم جاء تكليف مصطفى الكاظمي بعد اغتيال قادة النصر مطلع 2020، لتدخل الدولة العراقية مرحلة جديدة أصبح فيها المال السياسي لاعبًا علنيًا في تشكيل الحكومات وصناعة التحالفات وإدارة الإعلام وحتى توجيه الرأي العام.

ومنذ ذلك الوقت، تسارعت عملية تحويل الدولة إلى مشروع تجاري ضخم.

فالكثير من الشخصيات التي ظهرت بعد 2020 لا تمتلك تاريخًا سياسيًا حقيقيًا، ولا مشروعًا فكريًا أو وطنيًا، بل تمتلك المال فقط.

مالًا هائلًا، مصدره الصفقات، والمقاولات، والتهريب، وعمولات الدولة، والفساد، والعلاقات الخارجية.

الأخطر أن هذه الطبقة لم تكتفِ بالسلطة، بل بدأت توريث النفوذ داخل مؤسسات الدولة.

أبناء الفاسدين صاروا نوابًا.

أقارب المتنفذين أصبحوا مستشارين ومديرين عامين.

أصهار أصحاب المال السياسي دخلوا البرلمان والهيئات المستقلة والسفارات والشركات الحكومية.

حتى المناصب السيادية في بعض الأحيان لم تعد تُدار بعقلية الكفاءة والخبرة، بل بعقلية القرابة والولاء المالي والسياسي.

وهكذا تحولت الدولة العراقية تدريجيًا إلى شبكة مصالح عائلية وتجارية ضخمة، يتقاسمها المتنفذون كما تُقسّم الغنائم.

المشكلة اليوم ليست فقط أن هناك فاسدين في السلطة، بل أن بنية كاملة من الفساد أصبحت هي التي تُنتج السلطة نفسها.

أي أن المال المشبوه لم يعد يؤثر على السياسة فقط، بل أصبح يصنع السياسيين أصلًا.

ولهذا نرى هذا الانحدار المخيف في الخطاب والسلوك والإدارة.

لأن من تربّى على فكرة “الغنيمة” لا يمكن أن يؤمن بالدولة.

ومن بنى ثروته على النهب لا يستطيع بناء اقتصاد.

ومن اعتاد شراء الذمم لن يفهم معنى المؤسسات والقانون.

ولهذا أيضًا أصبح العراق يعيش حالة غريبة، حيث يتحدث بعض تجار الفوضى باسم الوطنية، ويتحدث بعض أبناء الحواسم باسم الإصلاح، ويتصدر بعض الذين اغتنوا من خراب الدولة مشهد “محاربة الفساد”!

إنها مفارقة سوداء تكشف حجم التشوه الذي أصاب الحياة السياسية العراقية.

فالدولة التي كان يُفترض أن تُبنى بعد 2003 على أسس جديدة، جرى اختطافها تدريجيًا من قبل شبكات المال الأسود، حتى أصبح القرار العراقي في كثير من الأحيان أقرب إلى قرار تجاري تتحكم به الصفقات والمصالح، لا المصالح الوطنية العليا.

والأخطر من كل ذلك أن الأجيال الجديدة بدأت ترى في هذه النماذج صورة للنجاح والقوة والنفوذ، لأن من يملك المال اليوم يستطيع شراء الإعلام، وصناعة الصورة، وتلميع الماضي، وتقديم نفسه بصفة “القائد” و”الزعيم” و”رجل الدولة”.

لكن الحقيقة تبقى واضحة مهما تغيّرت العناوين:

لا يمكن لمن تربّى على السرقة أن يبني دولة، ولا لمن صعد من عالم التسليب أن يصنع وطنًا، ولا لمن يرى العراق غنيمة أن يحافظ على سيادته وكرامة شعبه.