مفهوم عبادة الطاغوت (وعبد الطاغوت)

د. فاضل حسن شريف

“عبدة الطاغوت” هم كل من أطاع أو اتبع أو تحاكم إلى أي شخص أو جهة تتجاوز حدود الله وتشرع من دون شرعه. يعرّف علماء الدين الإسلامي “الطاغوت” بأنه كل ما يُعبد من دون الله؛ وتشمل هذه الفئة عدة أطراف توضحها المصادر الدينية، مثل: الشيطان: الداعي إلى المعصية والشر. الحاكم الظالم: الذي يبدل أحكام الله أو يشرع قوانين تنافيها.الكاهن أو الساحر: الذي يدعي علم الغيب. وبناءً على تعريف أهل العلم للطاغوت، يمكن حصر صور عبادة الطاغوت وأشكاله في النقاط التالية: التحاكم إلى غير الله: من يتركون شرع الله ويفضلون التحاكم لقوانين وضعية تتعارض معه.الطاعة العمياء: كل من يطيع حاكماً أو متبوعاً في تحليل الحرام أو تحريم الحلال دون دليل أو بصيرة. الرضا بالعبادة: الطاغوت الذي يرضى بأن يُعبد من دون الله.

في الفكر الإسلامي عموماً، يُقصد بـ “الطاغوت” كل ما تجاوز الحد في الطغيان، وكل معبود من دون الله، سواء كان شيطاناً، أو كاهناً، أو حاكماً ظالماً، أو هوى النفس، وعليه فإن “عبدة الطاغوت” هم كل من أطاعوا الطغاة أو اتبعوهم أو خضعوا لهم في معصية الله.وفي السياق الخاص بالموروث والروايات عند الشيعة الإمامية، تتسع دلالة هذه المصطلحات وفقاً للتفاسير القرآنية:التفسير العام: كغيرهم من المسلمين، يرون أن “الطاغوت” يشمل إبليس وكل رأس للضلال أو حاكم يجور على حدود الله.التفسير التأويلي (الرمزي): وردت بعض الروايات التفسيرية (في مصنفات مثل الكافي للكليني، وتفسير القمي) في تأويل آيات “الجبت والطاغوت”، حيث تشير بعض هذه الروايات – في سياق التأويل الرمزي للباطن عند بعض المفسرين- إلى إسقاط هذا المفهوم على بعض الشخصيات التاريخية التي يرى الشيعة أنها نازعت أهل البيت عليهم السلام في الخلافة (كرموز سياسية وليس كأصنام تُعبد بالسجود).وعلى الجانب الفقهي والعقائدي، لا يوجد فرقة أو جماعة تُطلق على نفسها اسم “عبدة الطاغوت” بالمعنى الحرفي لعبادة الأوثان، بل هو وصف قرآني يُطلق مجازاً على من يتخذون أهواءهم أو الطغاة أرباباً من دون الله بطاعتهم في معصية الخالق.

جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: تقول الآية الكريمة: “مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۚ أُولَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ” ﴿المائدة 60﴾ وإطلاق تسمية عبد الطاغوت على أهل الكتاب، إما أن يكون إشارة إلى عبادة العجل من قبل اليهود، أو إشارة إلى انقياد أهل الكتاب الأعمى لزعمائهم وكبارهم المنحرفين. الآيتان”أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا” (النساء 51-52) سبب النزول قال كثير من المفسرين في شأن نزول الآيتين الحاضرتين: أنه بعد معركة أحد توجه أحد أقطاب اليهود وهو كعب بن الأشرف مع سبعين شخصا من اليهود إلى مكة للتحالف مع مشركي مكة ضد رسول الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم ونقض ما كان بينهم وبين رسول الله من الحلف. فنزل كعب على أبي سفيان فأحسن مثواه ونزلت اليهود في دور قريش، فقال أهل مكة: أنكم أهل كتاب ومحمد صاحب كتاب، فلا نأمن أن يكون هذا مكر منكم، فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين (الجبت والطاغوت) وأشاروا إليها وآمن بهما، ففعل. وقال ابن عباس”الْـجِبْتِ” هنا حيي بن أخطب”وَالطَّاغُوتِ” كعب بن الأشرف فالمراد على هذه الآية القوم الذين كانوا معهما من بني إسرائيل لإيمانهم بهما واتباعهم لهما وقال ابن عباس”الْـجِبْتِ” الأصنام”وَالطَّاغُوتِ” القوم المترجمون عن الأصنام الذين يضلون الناس بتعليمهم إياهم عبادة الأصنام. روي عن زين العابدين عليه السلام أنه قال: من قال: اللهم العن الجبت والطاغوت. كل غداة مرة واحدة كتب الله له سبعين ألف حسنة، ومحا عنه سبعين ألف سيئة، ورفع له سبعين ألف درجة.

من هم الضالون؟ جاء في سورة الفاتحة “صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ” (الفاتحة 7). الذين انعم الله عليهم ذكرتهم الآية الكريمة “وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا” (النساء 69). واما المغضوب عليهم “مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ” (المائدة 60)، و “إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا” (الاعراف 152). الفرق بين الكاذب والمكذب أن المكذب الذي يكذب الصدق وهو اشد من الكاذب “وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ” (المرسلات 47).

جاء في كتاب علوم القرآن للسيد محمد باقر الحكيم: أسلوب القسم المكي يمتاز بالشدة والعنف والسباب: فقد قالوا: إن أسلوب القسم المكي من القرآن يمتاز عن القسم المدني بطابع الشدة والعنف، بل وبالسباب أيضا، وهذا يدل على تأثر محمد بالبيئة في مكة التي كان يعيش فيها، لأنها مطبوعة بالغلظة والجهل، ولذا يزول هذا الطابع عن القرآن الكريم عندما ينتقل محمد إلى مجتمع المدينة الذي، تأثر فيه بشكل أو بآخر بحضارة أهل الكتاب وأساليبهم. وتستشهد الشبهة بعد ذلك لهذه الملاحظة بالسور والآيات المكية المطبوعة بطابع الوعيد والتهديد والتعنيف. نعم، يوجد في القرآن الكريم تقريع وتأنيب عنيف، وهو موجود في المدني كما هو في المكي وان كان يكثر وجوده في المكي بالنظر لمراعاة ظروف الاضطهاد والقسوة التي كانت تمر بها الدعوة، الامر الذي اقتضى ان يواجه القرآن ذلك بالعنف والتقريع أحيانا لتقوية معنويات المسلمين من جانب، وتحطيم معنويات الكافرين من جانب آخر، كما سوف نشير إليه قريبا. ومن هذا التقريع في السور المدنية قوله تعالى: “قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل” (المائدة 60). وقوله تعالى: “وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان” (المائدة 64).