مخيمات اللاجئين في العراق
إيهاب مقبل
بعد سنوات طويلة من الحرب والنزوح والتشظي الجغرافي، بدأت سوريا تشهد تحولًا لافتًا في ملف النازحين، مع انطلاق عمليات منظمة لإعادة آلاف العائلات إلى مناطقها الأصلية. ويبرز هذا التحول بصورة خاصة في عودة أهالي عفرين من مناطق شمال شرقي سوريا إلى مدينتهم وريفها، بالتوازي مع عودة أهالي حيي الشيخ مقصود والأشرفية من عفرين إلى منازلهم في مدينة حلب.
وتكتسب هذه التطورات أهمية تتجاوز بعدها الإنساني، لأنها تعكس بداية انتقال الملف السوري من مرحلة إدارة النزوح إلى مرحلة معالجة أسبابه ونتائجه، عبر إعادة السكان إلى مناطقهم الأصلية، واستعادة الخدمات، وفرض الاستقرار الأمني، وإعادة تفعيل مؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق، تبدو تجربة سوريا الحالية مختلفة عن بعض الحالات العراقية، ولا سيما جرف الصخر وسنجار، حيث ما تزال عودة أعداد كبيرة من السكان مرتبطة بعقبات أمنية وسياسية وحقوقية معقدة.
الاستقرار الأمني يفتح الطريق أمام العودة
لا يمكن الحديث عن عودة النازحين من دون التوقف عند العامل الأمني. فالعائلة التي نزحت بسبب الخوف أو الحرب لن تعود إلى منزلها لمجرد توقف المعارك، بل تحتاج إلى قناعة بأن المنطقة أصبحت آمنة، وأن مؤسسات الدولة قادرة على حماية السكان ومنع تكرار النزوح.
وهذا ما بدأت الحكومة السورية العمل عليه في عدد من المناطق خلال الأشهر الماضية. ففي حلب، أعلنت المحافظة في يناير كانون الثاني 2026 عودة الأمن إلى حيي الأشرفية والشيخ مقصود، وبدأت بعد ذلك عملية عودة السكان بصورة منظمة، بالتوازي مع استئناف الخدمات العامة وإزالة مخلفات الحرب. وأكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن آلاف الأشخاص عادوا إلى منازلهم، وأن الخدمات بدأت بالعودة تدريجيًا إلى الحيين.
وقد شكل ذلك عاملًا حاسمًا في تحويل العودة من مجرد رغبة لدى النازحين إلى عملية فعلية على الأرض. فبعد تأمين الأحياء وبدء عودة مؤسسات الدولة، تحركت قوافل العودة من عفرين باتجاه حلب، ووصلت دفعات متتالية من العائلات إلى منازلها.
حكومة أحمد الشرع.. من شعار العودة إلى تنظيمها
من أبرز النقاط الإيجابية في أداء الحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع أنها تعاملت مع قضية النازحين باعتبارها ملفًا وطنيًا يحتاج إلى آلية تنفيذية، وليس مجرد قضية إنسانية مؤجلة.
ففي ملف عفرين، جرى تشكيل آلية حكومية لمتابعة تنفيذ التفاهمات السياسية، وبدأت الدولة السورية بالتنسيق بين محافظة الحسكة ومحافظة حلب وإدارة منطقة عفرين من أجل تنظيم عودة السكان إلى بلداتهم ومنازلهم. وفي 9 مارس آذار 2026، انطلقت أول قافلة، وضمت نحو 400 عائلة من أهالي عفرين المقيمين في الحسكة، وسط ترتيبات أمنية وتنظيمية لضمان وصولهم بأمان.
وتكمن أهمية هذا المسار في أن الحكومة لم تكتفِ بإعلان حق العودة، بل بدأت بتحويله إلى إجراء ميداني واضح: تسجيل العائلات، تأمين وسائل النقل، تنظيم القوافل، تأمين الطرق، والتنسيق بين المؤسسات المعنية.
وهذا نموذج يستحق الإشادة، لأن نجاح الدولة في معالجة النزوح يبدأ عندما تتحول قضية العودة من ملف سياسي إلى سياسة عامة لها مؤسسات وآليات ومسؤوليات واضحة.
عودة عفرين.. الاتجاه الآخر للمعادلة
لا تقتصر حركة العودة في شمال سوريا على أهالي عفرين، بل شهدت المنطقة أيضًا عودة سكان من حلب كانوا قد نزحوا إلى عفرين.
فبعد استقرار الوضع الأمني في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، بدأت إدارة منطقة عفرين ومحافظة حلب تنظيم عودة العائلات إلى منازلها في حلب. وتوالت القوافل على دفعات، بينها دفعة ثانية نقلت نحو 750 عائلة، ثم دفعات أخرى لاحقة.
وتكشف هذه الحركة المتبادلة عن نقطة بالغة الأهمية: المطلوب ليس نقل النازحين من مكان إلى آخر، وإنما إعادة كل عائلة إلى منطقتها الأصلية متى توفرت الظروف الآمنة لذلك.
ومن هذه الزاوية، فإن عودة أهالي عفرين إلى عفرين وعودة أهالي الشيخ مقصود والأشرفية إلى حلب تمثلان مسارين متكاملين ضمن هدف واحد هو تفكيك واقع النزوح الذي فرضته سنوات الحرب.
الاستقرار الأمني والخدمات.. معادلة العودة المستدامة
أظهرت التجربة السورية أن الأمن وحده لا يكفي، لكنه يمثل الشرط الأول لعودة السكان.
ففي حلب، رافقت عملية العودة جهود لإعادة تشغيل الخدمات الأساسية، فيما جرى تقييم احتياجات الأسر العائدة والعمل على تحسين البنية التحتية. كما شاركت وزارة الشؤون الاجتماعية في متابعة أوضاع الأسر التي نزحت إلى عفرين، بالتنسيق مع الجهات المحلية والمنظمات الإنسانية.
وهذا أمر مهم؛ لأن العودة الحقيقية لا تعني وصول الحافلات إلى الحي أو القرية، وإنما قدرة الأسرة على البقاء بعد عودتها.
ولهذا فإن الخطوة المقبلة أمام الحكومة السورية تتمثل في تثبيت الاستقرار من خلال توفير المياه والكهرباء والتعليم والصحة وفرص العمل، إلى جانب معالجة قضايا المنازل والممتلكات وإزالة مخلفات الحرب.
وكلما نجحت الدولة في توفير هذه الشروط، تحولت العودة من عودة مؤقتة إلى استقرار دائم.
العودة في سوريا أسرع من الحالة العراقية
العراق حقق بالفعل عودة واسعة للنازحين، ولا يصح القول إنه لم ينجح في هذا الملف؛ فالمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تشير إلى أن أكثر من عشرة آلاف عائلة غادرت مخيمات النازحين في عام 2024، كما غادرت نحو 1500 عائلة المخيمات في 2025، وعادت معظمها إلى مناطقها الأصلية في نينوى، ومنها البعاج وسنجار. ومع ذلك، ما يزال في العراق نحو 20 مخيمًا للنازحين في عام 2026، بينما بقيت عودة بعض الفئات والمناطق أكثر تعقيدًا.
ويعود ذلك إلى اختلاف طبيعة الملفات. ففي بعض المناطق العراقية، لا تزال قضايا الأمن والملكية والخدمات وإعادة الإعمار وتعدد القوى السياسية والأمنية تؤثر في قرارات العودة.
وهنا تبرز حالة سنجار، حيث واجه الإيزيديون بعد سنوات من النزوح مشاكل تتعلق بالأمن وإعادة الإعمار والملكية وإدارة المنطقة. كما أن تعدد القوى المؤثرة في المنطقة جعل الوصول إلى ترتيبات أمنية وإدارية مستقرة أكثر صعوبة.
أما جرف الصخر، فتبدو الحالة أكثر حساسية وتعقيدًا، إذ بقيت عودة السكان الأصليين على نطاق واسع مرتبطة بعوامل أمنية وسياسية، فضلًا عن أبعاد طائفية حاضرة في المشهد. كما أن استمرار سيطرة ميليشيات مسلحة على المنطقة، إلى جانب غياب ترتيبات واضحة تضمن عودة السكان وتأمين ممتلكاتهم، أسهما في استمرار نزوح الأهالي لسنوات طويلة، رغم انتهاء المعارك الكبرى ضد تنظيم داعش.
الفرق بين الحالتين السورية والعراقية
الفرق الجوهري لا يكمن في رغبة السوريين أو العراقيين في العودة؛ فالرغبة في العودة إلى المنزل والأرض موجودة لدى الطرفين.
لكن الفرق يكمن في قدرة الدولة على خلق بيئة سياسية وأمنية تسمح بالعودة الجماعية المنظمة.
في سوريا، ساعدت التفاهمات السياسية الجديدة وإعادة بسط سلطة مؤسسات الدولة على المناطق على فتح الطرق أمام عودة منظمة. وقد انعكس ذلك سريعًا على الأرض عبر القوافل التي نقلت العائلات من الحسكة وعفرين ومناطق أخرى إلى أماكن سكنها الأصلية.
أما في العراق، فقد بقيت بعض المناطق التي شهدت نزوحًا واسعًا عالقة بين تعقيدات الأمن والسياسة والملكية والإعمار. وتؤكد المفوضية أن العراق لا يزال يواجه نزوحًا مطولًا وعودة هشة، مع بقاء أكثر من مليون شخص نازحين داخليًا وفق بياناتها المنشورة.
وبالتالي فإن سرعة العودة السورية في الحالات التي نشهدها حاليًا لا تعني أن سوريا حلت كل مشكلات النزوح، وإنما تشير إلى أن وجود قرار سياسي واضح واستقرار أمني وترتيبات حكومية مباشرة يمكن أن يختصر سنوات من الانتظار.
عودة السكان.. خطوة في مواجهة التغيير الديموغرافي
تتجاوز عودة النازحين الجانب الإنساني لتلامس قضية شديدة الحساسية، وهي مستقبل التركيبة السكانية للمناطق التي شهدت موجات نزوح واسعة.
فكلما طال غياب السكان عن منازلهم، زادت صعوبة استعادة حياتهم السابقة. ومع مرور السنوات، قد تتغير الملكيات، وتتبدل مصادر الرزق، وتتغير طبيعة المجتمعات المحلية، وقد ينشأ واقع سكاني جديد يصعب عكسه.
من هنا، فإن الإسراع في إعادة السكان إلى مناطقهم الأصلية، عندما تكون العودة آمنة وطوعية وكريمة، يمثل خطوة مهمة للحفاظ على التوازن المجتمعي ومنع تحول النزوح المؤقت إلى واقع دائم.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية المسار الذي بدأته الحكومة السورية؛ إذ إن تنظيم عودة أهالي عفرين، بالتوازي مع إعادة أهالي الشيخ مقصود والأشرفية إلى حلب، يبعث برسالة مفادها أن المرحلة الجديدة ينبغي ألا تكرس نتائج النزوح والحرب، بل أن تعمل على معالجة آثارها.
سوريا أمام فرصة تاريخية
تمتلك سوريا اليوم فرصة مهمة لطيّ واحدة من أكثر صفحات الحرب إيلامًا، وهي صفحة النزوح الداخلي، عبر إعادة السوريين إلى مناطقهم الأصلية واستعادة الحياة الطبيعية في المدن والبلدات التي غادروها خلال سنوات الحرب.
وما تقوم به حكومة أحمد الشرع من تنظيم عودة العائلات، وإعادة الأمن إلى المناطق التي شهدت نزوحًا، وربط العودة باستعادة الخدمات، يمثل خطوة إيجابية تستحق التقدير، خصوصًا أن هذا المسار يضع حق الإنسان في العودة إلى منزله في صلب عملية الاستقرار وإعادة بناء الدولة.
وإذا استمرت الحكومة في هذا النهج ونجحت في توسيعه ليشمل بقية المناطق والنازحين، فقد تتحول عودة السكان إلى أحد أبرز مؤشرات انتقال سوريا من مرحلة الحرب والنزوح إلى مرحلة الاستقرار وبناء الدولة.
وتبقى استدامة هذا المسار مرهونة بتثبيت الأمن واستعادة الخدمات وتعزيز مقومات الحياة في المناطق التي عاد إليها أهلها، بما يجعل العودة أكثر من مجرد انتقال للعائلات، ويحولها إلى خطوة فعلية نحو إعادة بناء المجتمع السوري وترميم ما خلفته سنوات الحرب.
الخلاصة
تكشف المقارنة بين سوريا والعراق أن العودة لا تبدأ بالحافلة، وإنما تبدأ بالأمن والاستقرار والقرار السياسي.
في سوريا، أدى التحسن الأمني والتفاهمات السياسية الجديدة إلى فتح طريق عملي أمام عودة النازحين، وبدأت الحكومة بتنظيم هذه العودة عبر قوافل متتالية من الحسكة وعفرين ومناطق أخرى، بالتزامن مع عودة سكان الشيخ مقصود والأشرفية إلى منازلهم في حلب. وقد ساهم هذا المسار في تحويل العودة من مطلب مؤجل إلى عملية ملموسة على الأرض.
أما العراق، فرغم تحقيقه عودة كبيرة للنازحين، لا تزال بعض الملفات، مثل سنجار وجرف الصخر وغيرهم، تواجه عقبات سياسية وأمنية وحقوقية تجعل العودة الجماعية أبطأ وأكثر تعقيدًا.
وبين التجربتين، تظهر أهمية ما بدأته الحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع: إعادة الأمن إلى المناطق، وسيطرة الدولة عليها، ثم فتح الطريق أمام أهلها للعودة، ثم العمل على إعادة الخدمات والحياة الطبيعية إليها.
لكن نجاح هذا المسار سيقاس في النهاية ليس بعدد القوافل التي تعود، وإنما بقدرة الدولة على ضمان أن يجد السوري عند عودته منزله وأرضه وأمنه وكرامته ومستقبله.
فإذا تحقق ذلك، فإن سوريا لن تكون قد أعادت النازحين إلى مناطقهم فحسب، بل ستكون قد بدأت فعليًا في إعادة بناء المجتمع السوري نفسه.
فيديوهات
عودة أهالي حي الشيخ مقصود إلى منازلهم وسط هتافات تؤكد وحدة السوريين
إدارة منطقة عفرين تشرف على نقل عائلات من مخيمي آزادي وآشتي إلى عفرين
اختتام عمليات عودة نازحي الحسكة إلى عفرين بوصول آخر القوافل
انتهى