حقائق الانهيار (فهل من مُدّكر؟!)
نورية الحبيشي
كما أن للدول أركان من شعب ونظام وجيش واقتصاد وحدود، فلها روح لا تُرى… اسمها “الفكر والهوية”.
إذا ماتت الروح، سقط الجسد مهما كان ضخماً.
وكما أن هناك عوامل وأساسيات لبناء الدول والأمم، فهناك أسباب ومعطيات لزوالها!
والتاريخ شاهد:
أولاً: الشواهد التاريخية على “الانهيار من الداخل”
وكما تحدث الله عن عاد وثمود وفرعون وغيرهم من الأمم السابقة، ورغم تمكنها مادياً وعسكرياً انهارت بشكل مفاجئ!
وهناك شواهد تاريخية كثيرة منها:
1. الأندلس: لم تسقط بمعركة واحدة. سقطت بعد 200 سنة من “ملوك الطوائف” وتفك الهوية وتقديم التنازلات.
2. الاتحاد السوفيتي 1991: أقوى ترسانة نووية في العالم تفككت بدون حرب، لأن الناس فقدوا الإيمان بالفكرة.
3. روما: لما صار الجندي الروماني يرفض القتال وجلبوا المرتزقة، انهارت الهيبة قبل الأسوار.
4. الدولة الأموية: أسقطتها الصراعات الداخلية والانقلابات.
5. الدولة العباسية: انهارت بخيانة الداخل وضعف الحكام.
أثبتت الأحداث والتواريخ: لا يُهزم جيش حتى يُهزم فكره أولاً_، ولا تنهار دولة حتى تنهار هويتها وتفقد من يحملون تلك الراية والهوية.
ثانياً: إسقاط على 3 نماذج معاصرة
1. “الإمبراطورية الأمريكية”
أين مظاهر تآكل الفكر والهوية؟
أزمة الهوية: صراع حاد داخلي “يمين ويسار” حول الدين، العرق، التاريخ. شعار “Make America Great Again” نفسه دليل على شعور بفقدان العظمة.
انهيار الثقة: تراجع ثقة الشعب في المؤسسات: الكونجرس، الإعلام، الانتخابات.
تلاشي الحاملين: صعود “ثقافة الفردانية المفرطة” على حساب “روح التضحية من أجل الوطن”. الشباب يسأل: “ماذا قدمت لي أمريكا؟”
الشاهد: حرب فيتنام، الانسحاب من أفغانستان. دول عظمى انسحبت وهي مهزومة نفسياً قبل عسكرياً.
2. “كيان الاحتلال الصهيوني”
أين مظاهر تآكل الفكر والهوية؟
أزمة الفكرة المؤسسة: الفكرة كانت “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”. اليوم العالم كله صار يعرف الحقيقة. فكرة “الدولة الديمقراطية لليهود فقط” تتصادم مع الواقع.
انهيار الهوية الجامعة: انقسامات داخلية حادة: علماني vs ديني، شرقي vs غربي، يمين vs يسار. مظاهرات كل أسبوع ضد الحكومة.
تلاشي الحاملين: هجرة عكسية. كثير من الصهاينة معهم جنسية ثانية ويهربون وقت الأزمات. “لا يموت من أجل الفكرة إلا من يؤمن بها”
الشاهد: 7 أكتوبر كشف هشاشة “الجيش الذي لا يقهر” وكشف أن الردع النفسي والعسكري انهار في ساعات، ولولا التدخل الأمريكي ودول الجوار لكانت النتائج مختلفة.
. 3 “نظام آل سعود”
أين مظاهر الضغط والتحديات؟
أزمة الهوية: شد وجذب بين “الهوية الإسلامية المحافظة” التي قامت عليها الدولة، وبين “مشاريع الانفتاح والتغريب السريع”. هذا يخلق شرخاً فكرياً داخل المجتمع.
تحدي الشرعية: الانتقال من “حكم العائلة بالتراضي القبلي والديني” إلى “حكم الفرد المطلق” يخلق سؤالاً عند الأجيال الجديدة: لماذا؟
تلاشي الحاملين: الاعتماد على “الأمن والقوة” بدل “الاقتناع”. لما يغيب الاقتناع، يبقى الخوف. والخوف لا يبني أمماً.
الشاهد الاقتصادي: “رؤية 2030” نفسها اعتراف بأن نموذج “النفط إلى الأبد” انتهى. الدول التي لا تجدد فكرها الاقتصادي تتهاوى.
ثالثاً: في اليمن
الفرق بيننا وبينهم:
هم يحاولون شراء الولاء بالمال، ونحن نبنيه بالتضحية.
هم يصدرون “ثقافة التفاهة” لتخدير الشباب، ونحن نصنع “ثقافة الشهادة”.
هم يستوردون الهوية من الغرب، ونحن نرجع لهويتنا العربية والإسلامية.
هم يستمدون قوتهم من أمريكا ودول الاستكبار والرأسمالية العالمية، ونحن مستمدون قوتنا من ثقافتنا القرآنية وأعلام الهدى، الذين هم قادتنا إلى كرامة الدنيا وجنة الآخرة.
هم فقدوا بوصلتهم وقضيتهم الأولى “فلسطين” وتخلّوا عن مقدساتهم، ونحن جعلناها قضيتنا ومنهجية تحركنا!
هم سكتوا وتخاذلوا عن نصرة المستضعفين في غزة بل وحاصروهم وتآمروا عليهم وساندوا عدوهم ،ونحن تقاسمنا معهم الألم والخبز والسلاح والرجال!!
لو تعرضت السعودية أو مصر أو الأردن أو قطر أو تركيا أو المغرب أو غيرها من دول التطبيع والصداقة مع “أمريكا الشيطان الأكبر” أو حتى كيان الاحتلال نفسه، لما تعرضت له بلادنا الحبيبة من سنوات طويلة تتجاوز الـ 50 عاماً من مؤامرات وحروب وصراعات وعمليات عسكرية وحرب اقتصادية… لكان مصيرها الانهيار والتلاشي.
وهاهي اليمن اليوم، بعد كل هذه المؤامرات على مدى قرون من الزمن، أصبحت قوة عظمى تهابها الأمم.والعالم كله يسأل ما سر قوة هذا الشعب العظيم.؟!
صحيح أن التغيير سنة إلهية جارية، لكن التغيير يصنعه البشر:
إما تغييراً سلبياً، أو تغييراً نحو الأفضل. وهناك دول وأمم كثيرة كان التغيير فيها إلى الأفضل.
ومن فرط في هويته باع وطنه بثمن بخس.
لنكن أمة تقرأ التاريخ فتتعلم،
قبل أن نكون سطراً في التاريخ يُقرأ عنا: “كانوا هنا ثم زالوا”.
فهل من مُدّكر؟!
#كاتِبات_الثورة_التحرُرية