صباح البغدادي
في عالم الصراعات الحديثة، لم تعد الحروب تُحسم فقط بالدبابات والطائرات والصواريخ، بل باتت البنية التحتية تمثل الهدف الأكثر تأثيراً في معادلات القوة والردع. فحين تنتقل التهديدات العسكرية من استهداف المواقع العسكرية إلى الجسور ومحطات الطاقة وشبكات الخدمات الحيوية، فإن الرسالة تتجاوز حدود المواجهة التقليدية لتصل إلى قلب الدولة واقتصادها وقدرتها على الاستمرار. وفي خضم التصعيد المتسارع بين واشنطن وطهران، تطرح التهديدات الأمريكية الأخيرة تساؤلات جوهرية حول طبيعة المرحلة المقبلة: هل تتجه الولايات المتحدة نحو استخدام تفوقها العسكري والتقني لإحداث صدمة استراتيجية تدفع إيران إلى إعادة حساباتها؟ أم أن طهران ما زالت تراهن على قدرتها على الصمود والمناورة في مواجهة أحد أعقد أشكال الضغط السياسي والعسكري في تاريخ المنطقة؟.
فما تزال تشهد العلاقات الأمريكية الإيرانية مرحلة ساخنة جدا جديدة من المواجهة المباشرة والتصعيد السياسي والعسكري، في أعقاب التصريحات المنسوبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن إمكانية توجيه ضربات إضافية ضد أهداف حيوية داخل إيران، تشمل محطات الطاقة والجسور وشبكات البنية التحتية الاستراتيجية. وتأتي هذه التهديدات في سياق التطورات المتسارعة التي شهدتها منطقة الخليج ومضيق هرمز خلال الأيام الماضية، بعد الحادثة المرتبطة بالمروحية الأمريكية، سواء كانت نتيجة استهداف مباشر أو ظروف ميدانية أخرى ما تزال محل جدل وتفسير.
وفي الوقت الذي تتكثف فيه الجهود الدبلوماسية الإقليمية، ولا سيما من جانب الوسطاء الساعين إلى تجنب مواجهة واسعة النطاق، تبدو الساعات المقبلة حاسمة في تحديد اتجاه الأزمة. فواشنطن باتت تنظر إلى مسار التفاوض مع طهران بوصفه وصل إلى مراحله النهائية، بعد أن تصاعدت القناعة داخل دوائر صنع القرار الأمريكية بأن المفاوضات الممتدة لم تعد تحقق تقدماً ملموساً، وأن سياسة كسب الوقت والمراهنة على استنزاف الإرادة السياسية الغربية لم تعد قادرة على إنتاج النتائج ذاتها التي حققتها في مراحل سابقة.
ومن هذا المنطلق، فأننا نرى بأن الولايات المتحدة تسعى إلى الانتقال من مرحلة الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية إلى مرحلة فرض وقائع ميدانية أكثر تأثيراً، بهدف دفع القيادة الإيرانية إلى إعادة تقييم خياراتها الاستراتيجية. وفي المقابل، تحاول طهران توسيع دائرة أوراق الضغط المتاحة أمامها من خلال استعراض قدرتها على التأثير في عدد من الملفات الإقليمية الحساسة، سواء عبر الممرات البحرية الحيوية أو عبر حلفائها وشبكات نفوذها المنتشرة في أكثر من ساحة في الشرق الأوسط.
إلا أن التطورات المتسارعة تشير إلى أن هامش المناورة يضيق تدريجياً أمام جميع الأطراف، وأن ميزان القوة العسكرية والتكنولوجية يميل بصورة واضحة لصالح الولايات المتحدة وحلفائها. ولذلك يعتقد بعض المحللين أن المرحلة المقبلة قد تشهد محاولات متسارعة لحسم المسار التفاوضي أو العسكري، خصوصاً إذا وصلت الأطراف المعنية إلى قناعة بأن كلفة الانتظار باتت أعلى من كلفة اتخاذ القرار، سواء بالتسوية السياسية أو بالتصعيد المحدود الذي يفرض معادلات جديدة على الأرض.
ووفقاً للتصريحات المتداولة، فإن الإدارة الأمريكية ترى أن طهران تواصل المماطلة في المفاوضات، بينما تؤكد واشنطن أنها باتت قريبة من اتخاذ قرارات عسكرية أكثر حدة تستهدف بنية تحتية حيوية داخل البلاد. ويعكس هذا الخطاب استمرار نهج “الضغط الأقصى” الذي يقوم على استخدام التفوق العسكري والاقتصادي الأمريكي كوسيلة لدفع إيران نحو تقديم تنازلات سياسية واستراتيجية.
من منظور استراتيجي، فإن التهديد باستهداف الجسور ومحطات الطاقة لا يقتصر على إحداث أضرار مادية مباشرة، بل يحمل رسالة سياسية ونفسية أوسع نطاقاً. فالبنية التحتية للطاقة تمثل أحد الأعمدة الأساسية لاستمرار النشاط الاقتصادي والخدمي في أي دولة، وأي استهداف واسع لها قد يؤدي إلى اضطرابات كبيرة في إنتاج الكهرباء وشبكات النقل والخدمات العامة، وهو ما قد يضع القيادة الإيرانية أمام تحديات داخلية متزايدة.
ويرى بعض المحللين أن مثل هذه التهديدات تهدف إلى تعزيز كلفة استمرار المواجهة بالنسبة لطهران، وإقناع صناع القرار الإيراني بأن الاستمرار في سياسة التحدي قد يفضي إلى خسائر اقتصادية وتنموية تفوق المكاسب السياسية المحتملة. وفي هذا السياق، تراهن واشنطن على الفجوة الكبيرة في القدرات العسكرية والتكنولوجية بينها وبين إيران، إضافة إلى الدعم الذي تتلقاه من حلفائها الإقليميين والدوليين.
مع ذلك، فإن افتراض أن إيران ستجد نفسها مجبرة على توقيع اتفاق تحت وطأة الضغوط العسكرية يبقى احتمالاً سياسياً وليس نتيجة حتمية. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن الدول التي تتعرض لضغوط خارجية مكثفة قد تتجه أحياناً نحو التفاوض وتقديم تنازلات، لكنها قد تتجه أيضاً إلى تعزيز خطاب الصمود والتعبئة الداخلية، خاصة عندما تعتبر أن القضية تمس سيادتها وأمنها القومي.
وتسعى القيادة الإيرانية منذ سنوات إلى إظهار قدرتها على مواجهة الضغوط الأمريكية من خلال تطوير منظوماتها العسكرية وبرامجها الصاروخية وشبكات نفوذها الإقليمية، كما تحاول إقناع الرأي العام الداخلي بأن البلاد قادرة على تحمل العقوبات والمواجهة. غير أن المنتقدين لهذا الطرح يرون أن المقارنة بين القدرات الاقتصادية والتقنية والعسكرية للولايات المتحدة وحلفائها من جهة، وإيران من جهة أخرى، تكشف عن اختلال واضح في موازين القوة التقليدية.
في المقابل، يدرك صناع القرار في واشنطن أن التفوق العسكري لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية بصورة كاملة، إذ إن أي تصعيد واسع قد يحمل تداعيات إقليمية ودولية تتجاوز حدود الصراع الثنائي، خصوصاً في منطقة تعد من أهم الممرات الحيوية لتجارة الطاقة العالمية.
وعليه، فإن التهديد باستهداف البنية التحتية الإيرانية يمثل محاولة لزيادة الضغوط على طهران ودفعها نحو خيارات تفاوضية أكثر مرونة، إلا أن تحديد ما إذا كانت هذه الضغوط ستقود فعلاً إلى اتفاق جديد أم إلى جولة أكثر خطورة من التصعيد، يبقى رهناً بتطورات الميدان وحسابات الطرفين خلال المرحلة المقبلة.
تبقى جميع السيناريوهات مفتوحة على احتمالات متعددة، لكن المؤكد أن أي استهداف واسع للبنية التحتية الإيرانية لن يكون مجرد عملية عسكرية عابرة، بل حدثاً استراتيجياً قد يعيد رسم ملامح التوازنات الإقليمية ويؤثر في مستقبل المفاوضات بين الطرفين. وبين من يرى أن الضغوط القصوى قد تدفع طهران إلى تقديم تنازلات لم تكن مطروحة سابقاً، ومن يعتقد أن التصعيد قد يولّد مزيداً من التشدد والمواجهة، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تستطيع إيران تحمل كلفة صراع طويل مع قوة تمتلك تفوقاً عسكرياً وتقنياً هائلاً، أم أن منطق المصالح والوقائع على الأرض سيفرض في النهاية مساراً تفاوضياً جديداً مهما كانت درجة الرفض أو التردد؟.