د. فاضل حسن شريف
قال الله تعالى عن الطور”وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا” ﴿مريم 52﴾ الطُّورَ: ال اداة تعريف، طُّورَ اسم، مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ: الجانب الأيمن من موسى، ونادينا موسى من ناحية جبل طور”سيناء” اليمنى من موسى، وقرَّبناه فشرَّفناه بمناجاتنا له. وفي هذا إثبات صفة الكلام لله تعالى كما يليق بجلاله وكماله، و”يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ” ﴿طه 80﴾ يا بني إسرائيل اذكروا حين أنجيناكم مِن عدوكم فرعون، وجَعَلْنا موعدكم بجانب جبل الطور الأيمن لإنزال التوراة عليكم، ونزلنا عليكم في التيه ما تأكلونه، مما يشبه الصَّمغ طعمه كالعسل، والطير الذي يشبه السُّمَانَى، و”فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ” ﴿القصص 29﴾ فلما وفى نبي الله موسى عليه السلام صاحبه المدة عشر سنين، وهي أكمل المدتين، وسار بأهله إلى”مصر” أبصر من جانب الطور نارًا، قال موسى لأهله: تمهلوا وانتظروا إني أبصرت نارًا، لعلي آتيكم منها بنبأ، أو آتيكم بشعلة من النار لعلكم تستدفئون بها، و”وَالطُّورِ” ﴿الطور 1﴾ وَالطُّورِ: (قَسمُ) بجبل الطور الذي كلم الله تعالى عليه موسى عليه السلام، أقسم الله بالطور، وهو الجبل الذي كلَّم الله سبحانه وتعالى موسى عليه، وبكتاب مكتوب، وهو القرآن في صحف منشورة، وبالبيت المعمور في السماء بالملائكة الكرام الذين يطوفون به دائمًا، وبالسقف المرفوع وهو السماء الدنيا، وبالبحر المسجور المملوء بالمياه، و”وَطُورِ سِينِينَ” ﴿التين 2﴾ وَطُورِ: وَ حرف عطف، طُورِ اسم، أَقْسم الله بالتين والزيتون، وهما من الثمار المشهورة، وأقسم بجبل”طور سيناء” الذي كلَّم الله عليه موسى تكليمًا، وأقسم بهذا البلد الأمين من كل خوف وهو”مكة ” مهبط الإسلام. لقد خلقنا الإنسان في أحسن صورة، ثم رددناه إلى النار إن لم يطع الله، ويتبع الرسل، لكن الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحة لهم أجر عظيم غير مقطوع ولا منقوص.
جاء في معاني القرآن الكريم: طور طوار الدار وطواره: ما امتد منها من البناء، يقال: عدا فلان طوره، أي: تجاوز حده، ولا أطور به، أي: لا أقرب فناءه. يقال: فعل كذا طورا بعد طور، أي تارة بعد تارة، وقوله: “وقد خلقكم أطوارا” (نوح 14)، قيل: هو إشارة إلى نحو قوله تعالى: “خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ” (الحج 5)، وقيل: إشارة إلى نحو قوله: “واختلاف ألسنتكم وألوانكم” (الروم 22)، أي: مختلفين في الخلق والخلق. والطور اسم جبل مخصوص، وقيل: اسم لكل جبل وقيل: هو جبل محيط بالأرض (وهذا من الإسرائيليات مما لا يصح). قال تعالى: “والطور * وكتاب مسطور” (الطور 1-2)،”وما كنت بجانب الطور” (القصص 46)،”وطور سينين” (التين 2)،”وناديناه من جانب الطور الأيمن” (مريم 52)،”ورفعنا فوقهم الطور” (النساء 154).
عن تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله سبحانه”وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا” ﴿مريم 52﴾ “وناديناه” بقول”يا موسى إني أنا الله””من جانب الطور” (مريم 52) اسم جبل”الأيمن” أي الذي يلي يمين موسى حين أقبل من مدين”وقربناه نجيا” مناجيا بأن أسمعه الله تعالى كلامه.
ورد بني اسرائيل في زمن الفرعانه فعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله سبحانه “وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا” ﴿مريم 52﴾ وأشارت الآية التالية إلى بداية رسالة موسى، فقالت: “وناديناه من جانب الطور الأيمن” (مريم 52) ففي تلك الليلة المظلمة الموحشة، حيث قطع موسى صحارى مدين متوجها إلى مصر، أخذ زوجته الطلق وألم الولادة، وكان البرد شديدا، فكان يبحث عن شعلة نار، وفجأة سطع نور من بعيد، وسمع نداء يبلغه رسالة الله، وكان هذا أعظم وسام وألذ لحظة في حياته. قوله عز من قائل”يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ” ﴿طه 80﴾ تعقيبا على البحث السابق في نجاة بني إسرائيل بصورة إعجازية من قبضة الفراعنة، خاطبت هذه الآيات الثلاث بني إسرائيل بصورة عامة، وفي كل عصر وزمان، وذكرتهم بالنعم الكبيرة التي منحها الله إياهم، وأوضحت طريق نجاتهم. فقالت أولا: “يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم” (طه 80). ومن البديهي أن أساس كل نشاط ومجهود إيجابي هو التخلص من قبضة المتسلطين، والحصول على الحرية والاستقلال، ولذلك أشير إلى هذه المسألة قبل كل شئ. ثم تشير إلى واحدة من النعم المعنوية المهمة، فتقول: “وواعدناكم جانب الطور الأيمن” (طه 80)، وهذه إشارة إلى حادثة ذهاب موسى عليه السلام مع جماعة من بني إسرائيل إلى مكان ميعادهم في الطور، ففي ذلك المكان أنزل الله سبحانه ألواح التوراة على موسى وكلمه، وشاهدوا جميعا تجلي الله سبحانه. وأخيرا أشارت إلى نعمة مادية مهمة من نعم الله الخاصة ببني إسرائيل، فتقول: ونزلنا عليكم المن والسلوى ففي تلك الصحراء كنتم حيارى، ولم يكن عندكم شئ من الطعام المناسب، فأدرككم لطف الله، ورزقكم من الطعام الطيب اللذيذ ما كنتم بأمس الحاجة إليه. وللمفسرين بحوث كثيرة فيما هو المراد من (المن والسلوى)، بيناها في ذيل الآية “وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ” (البقرة 57)، بعد ذكر آراء المفسرين الآخرين وقلنا: إنه ليس من البعيد أن يكون”المن” نوعا من العسل الطبيعي كان موجودا في الجبال المجاورة لتلك الصحراء، أو نوعا من السكريات المولدة للطاقة من نباتات خاصة كانت تنمو في أطراف تلك الصحراء. والسلوى نوع من الطيور المحللة اللحم شبيها بالحمام.