عرقنة التسميات والعناوين العامة في بغداد

رياض سعد

*مقدمة

في خضم معركة استعادة السيادة الوطنية، تبرز قضية الهوية الثقافية والبصرية للعاصمة بغداد كأولوية قصوى، إذ لا يمكن بناء وطن قوي دون إرساء أسس ثقافية تعكس عراقته وتاريخه العريق.

تُعد أسماء المدن والشوارع والمدارس والجامعات والمساجد والساحات والأحياء والمؤسسات العامة  والدوائر الحكومية … الخ ؛ جزءًا أساسياً من ذاكرة الشعوب وهويتها الوطنية؛ فهي ليست مجرد علامات جغرافية تُستخدم للدلالة على الأمكنة، بل هي سجل تاريخي وثقافي يعكس شخصية الأمة ويجسد انتماءها الحضاري… ؛  ومن هذا المنطلق تبرز الحاجة إلى مراجعة كثير من المسميات المتداولة في العاصمة بغداد، والعمل على تعزيز الحضور العراقي في المشهد البصري للعاصمة بما ينسجم مع تاريخ العراق العريق ومكانته الحضارية.

فمن غير المنطقي أن تتزاحم في قلب بغداد أسماء مدن وعواصم وأسواق أجنبية وغريبة ، بينما يتراجع حضور أسماء المدن العراقية الكبرى والحضارات التي انطلقت من أرض الرافدين , والشخصيات الرافدينية التي أسهمت في بناء التراث الإنساني والاسلامي والعربي والعراقي .

 وليس من المنطقي ولا المقبول أن نستمر في تبرير بقاء المظاهر والمفردات الثقافية الأجنبية، العثمانية منها أو الإيرانية أو البريطانية، بذريعة أن الاحتلال طال أمده وترك أثراً عميقاً في المجتمع. فالتاريخ لا يمنح الشرعية لمخلّفات الهيمنة، وطول زمن التدخل لا يحوّل نتائجه إلى قدرٍ وطني لا يُراجع… ؛  لقد حان الوقت للتحرر من رواسب الاحتلالات والتدخلات الخارجية، وإعادة الاعتبار للهوية العراقية الجامعة، عبر إضفاء الطابع الوطني على كل ما يحيط بنا في بغداد وفي سائر مدن العراق العظيم، بما ينسجم مع خصوصيته الحضارية ويؤكد استقلال إرادته الثقافية والسيادية.

*غياب التوازن في المشهد البغدادي

إن بغداد أولى بأن تزين شوارعها وساحاتها وأحياؤها أسماء البصرة والموصل والنجف وكربلاء والناصرية والعمارة والرمادي وكركوك والحلة والديوانية والسماوة، كما أن من حق حضارات سومر وأكد وبابل وآشور ونينوى وأور وممالك ميسان والحضر والحيرة  أن تحظى بمكانتها اللائقة في معالم العاصمة.

اذ تُمثّل المسميات في الفضاء العام لأي عاصمة مرآةً لسيادتها الوطنية، ومخزوناً حياً لثقافتها التاريخية في نفوس الأجيال… ؛  ومن هذا المنطلق، يواجه الوجدان العراقي اليوم مشهداً مشوهاً واستلاباً حاداً في الهوية البصرية لقلب العاصمة بغداد؛ إذ تفشت في شرايينها الاستراتيجية وأحيائها العريقة مسمياتٌ أجنبية وغريبة وإقليمية لا تنتمي إلى تربة هذا الوطن، مثل: (حي تونس، حي القاهرة، ساحة صنعاء، شارع بور سعيد، شارع المغرب، ساحة الأردن، والسوق الإيراني في الكاظمية او في الشورجة ).

إن رسوخ الوطنية الحقيقية يبدأ من تأصيل المسميات المحلية في الذاكرة الجمعية… ؛  ومن الكوارث الفكرية والسياسية أن تُهمّش حواضر العراق وحضاراته العظمى ورموزه الوطنية , وتُستبدل بعناوين خارجية وغريبة ، وكأن هذه الأرض العريقة عاجزة عن تسمية شوارعها بأسماء مدنها المعطاءة وقاماتها وشخصياتها الوطنية .

من المؤسف أن نجد في قلب عاصمتنا المجيدة أسماءً غريبةً عن هويتنا، مثل: ساحة صنعاء، حي تونس، حي القاهرة، شارع بورسعيد، شارع المغرب، ساحة الأردن، والسوق الإيراني في الكاظمية، بينما تختفي أسماء مدننا العراقية وحضاراتنا الضاربة في القدم كـ”بابل، سومر، نينوى، أور، الحضر , الحيرة “.

*الوطنية تُزرع بالمسميات

إن تنشئة الأجيال على حب العراق تبدأ من تفاصيل حياتهم اليومية، وأولها أسماء الشوارع والساحات التي تسكن وجدانهم… ؛  فالمكان يعلم قبل المعلم، والذاكرة الجمعية تُبنى بالمشاهدة قبل التلقين.

إن بناء الهوية الوطنية لا يقتصر على المناهج الدراسية والخطابات الرسمية، بل يبدأ أيضاً من أسماء الأماكن التي تتكرر يومياً على ألسنة المواطنين، وتترسخ في وجدان الأجيال. فحين ينشأ الطفل وهو يسمع أسماء مدنه ورموزه الوطنية في كل زاوية من زوايا مدينته، يزداد ارتباطه بوطنه وتاريخه وحضارته.

ولهذا فإن إعادة النظر في بعض المسميات القديمة يمكن أن تكون خطوة مهمة نحو تعزيز الهوية العراقية. فبدلاً من أن تحمل الشوارع والساحات والأحياء أسماء خارجية، يمكن استبدالها بأسماء عراقية ذات دلالات تاريخية وحضارية ودينية وعشائرية وثقافية ووطنية، بما يحقق التوازن المطلوب ويعيد الاعتبار للموروث العراقي الغني.

إن بناء الهوية الوطنية الراسخة وحماية السيادة الثقافية يستوجبان تنقية المجال العام للعاصمة من أي نفوذ أو مسمى أجنبي… ؛  إن مدن العراق وحضارته العريقة وشخصياته التاريخية هي الأولى والأساس بأن تُخلّد في شوارعنا، وساحاتنا، وأسواقنا، لتستعيد بغداد وجهها العراقي الخالص حراً، شامخاً، وعصياً على الذوبان.

نعم , إن الوطنية الأصيلة تُغرس في نفوس الأبناء والأجيال عبر تأصيل المسميات الوطنية في الذاكرة الجمعية، وترسيخ الانتماء للوطن من خلال محيطه البصري والثقافي… ؛  ولذلك، فإننا نطالب فوراً بتغيير هذه التسميات غير العراقية واستبدالها بأسماء رموزنا و مدننا وحضاراتنا العريقة، امثلة تطبيقية ؛ على سبيل المثال وليس الحصر :

• تحويل شارع بور سعيد المتجه نحو الباب الشرقي إلى شارع البصرة.

• تغيير حي القاهرة إلى حي ميسان.

• تحويل حي تونس إلى حي الرمادي.

• تغيير شارع المغرب إلى شارع الموصل.

• تحويل ساحة الأردن إلى ساحة كلكامش.

• تغيير السوق الإيراني في الكاظمية إلى سوق النجف أو سوق الشريف الرضي .

وهكذا مع بقية التسميات الدخيلة والاجنبية والغريبة .

*سيادة الذاكرة الرافدينية العريقة

إن التجارب العالمية تؤكد أن الدول الحية تحرص على أن تعكس خرائطها الحضرية شخصيتها الوطنية. ففي معظم العواصم الكبرى تحتل أسماء المدن والشخصيات والأحداث الوطنية الحيز الأكبر من المشهد العمراني، بينما تبقى الأسماء الأجنبية محدودة واستثنائية. ولذلك فإن المطلوب في بغداد ليس الانغلاق على العالم أو معاداة الآخرين، بل إعطاء الأولوية للهوية العراقية داخل الفضاء العام للعاصمة، بحيث تكون الأسماء الوطنية هي الأصل، وما عداها هو الاستثناء.

كما أن الحفاظ على السيادة الثقافية لا يقل أهمية عن الحفاظ على السيادة السياسية والاقتصادية… ؛  فالأمم التي تفقد حضورها الرمزي في شوارعها وساحاتها ومؤسساتها تفقد تدريجياً جزءاً من ذاكرتها الجمعية ومن قدرتها على ترسيخ شعورها الوطني. ومن هنا تبرز أهمية إطلاق مشروع وطني شامل لإعادة إحياء الهوية العراقية في أسماء الأحياء والشوارع والساحات والحدائق والجسور والدوائر الرسمية والمؤسسات العامة.

إن بغداد ليست مدينة عادية في تاريخ البشرية؛ إنها عاصمة دولة كانت يوماً مركزاً للحضارة والعلم والثقافة، ووريثة حضارات تمتد جذورها إلى آلاف السنين. ولذلك فإن من حقها أن تعكس في معالمها أسماء رموز العراق ومدنه وحضاراته ودوله وإمبراطورياته و وأبطاله ومفكريه وعلمائه وأدبائه، وأن تكون مرآة صادقة لشخصية العراق وهويته الوطنية التاريخية .

إن عرقنة الفضاء العام ليست إجراءً شكلياً أو مسألة لغوية فحسب، بل هي مشروع ثقافي وحضاري يهدف إلى ترسيخ الانتماء الوطني، وصيانة الذاكرة التاريخية، وتعزيز الثقة بالذات العراقية… ؛  فالعراق الذي منح العالم أولى الحضارات وأقدم المدن وأعرق القوانين، أولى من غيره بأن تكون أسماؤه وتاريخه وحضارته حاضرة في شوارع عاصمته وساحاتها ومؤسساته، وأن تبقى بغداد عنواناً للعراق أولاً وأخيراً.

*المقارنة بين بغداد والعواصم العالمية

ولمن يحاول التعلل بالانفتاح أو المقارنة بين عاصمتنا والعواصم العالمية… ؛  ولمن يتحجج بمفاهيم “الانفتاح الدبلوماسي” أو يقارن بغداد بالعواصم العالمية كباريس – مثلا – ، فإننا نفكك هذا الوهم السطحي والمقارنات المغلوطة بالحقائق التاريخية الآتية :

أولاً: تسميات باريس تخليدٌ لانتصارات فرنسية وليست تكريماً للآخرين

إن أسماء مثل شارع أبي قير وشارع الإسكندرية في باريس لم تُطلق بدافع التآخي الثقافي أو المجاملة الدبلوماسية , أو النظرة الانسانية والرؤية الكونية ، بل أُطلقت تخليداً للحملة الاستعمارية الفرنسية الغاشمة  بقيادة نابليون بونابرت عام 1798… ؛  فشارع أبي قير سُمّي احتفاءً بمعركة أبي قير البرية التي انتصر فيها نابليون على الجيش العثماني… ؛  إذن، باريس تخلّد أمجادها العسكرية والتوسعية على أراضي الآخرين، بينما الأسماء في بغداد فُرضت في سياق أيديولوجي أذاب الهويات المحلية والرموز الوطنية والحضارات العراقية  لصالح الاجندات الخارجية المشبوهة والمنكوسة والتي لا تصب في مصلحة العراق والامة والاغلبية العراقية قط .

نعم , فُرضت المسميات الأجنبية والغريبة وطوال العقود الماضية في بغداد عبر حقب أيديولوجية وسياسية ذاب فيها المحلي والوطني  لصالح الخارجي الهجين .

ثانياً: الفارق بين عواصم إمبراطورية وبغداد .. التحرر الثقافي وإزالة ندوب الماضي

شتان بين عواصم إمبراطورية تحتفي بفتوحاتها، ودولة كالعراق عانت عقوداً من التدخلات والتخريب وتجاهد اليوم لاستعادة كامل سيادتها وثقتها الثقافية.

كانت باريس عاصمةً لإمبراطورية استعمارية كبرى، فمن الطبيعي أن تعكس شوارعها معاركها وتوسعاتها… ؛  أما العراق، فقد عانى عقوداً طويلة من الاحتلالات و التدخلات والتخريب، وهذه التسميات الدخيلة ترمز إلى حقبة شهدت فرض عمالة وافدة حلت محل الشباب العراقي الذي سيق إلى جبهات الحروب المدمرة في ثمانينيات القرن الماضي، فضلاً عن دور تلك الجهات الخارجية والغريبة في دعم الديكتاتورية والمشاركة في الإرهاب لاحقاً… ؛  لذا، فإن التحرر الثقافي يقتضي إزالة مسميات قوى وجهات  تركت ندوباً غائرة في ذاكرتنا الوطنية.

ثالثاً: التوازن المفقود في الحضور الحضاري العراقي

تتجلى المشكلة في غياب التوازن والاستلاب شبه الكامل للهوية البصرية في قلب العاصمة… ؛  ففي باريس، تشكل الأسماء الفرنسية من ملوك وعلماء وأدباء ومدن فرنسية أكثر من تسعين بالمئة من خريطة المدينة، والأسماء الأجنبية هي الاستثناء… ؛  أما في بغداد، فنجد تهميشاً شبه كامل لأسماء المدن العراقية الكبرى والحضارات العريقة مثل سومر وأكد وبابل ونينوى وأور ؛ فضلا عن الرموز الوطنية والتاريخية الرافدينية  في الشوارع والأحياء الرئيسية والاستراتيجية، مقابل هيمنة أسماء عواصم ومدن أخرى وشخصيات اجنبية وغريبة على أهم المقاطع الحيوية في العاصمة.

رابعاً: رفض المسميات الدخيلة المستفزة ومحاربتها

إن وجود تسميات مثل السوق الإيراني  او الاسترابادي في مدينة الكاظمية المقدسة يُعد استفزازاً صارخاً للوجدان والشرف الوطني العراقي، ولا يمكن القبول به أو تبريره تحت أي ذريعة تجارية أو واقعية… ؛ والحال نفسه ينطبق على التسميات التي فُرضت أو ترسّخت خلال عهود الهيمنة الخارجية أو بفعل التأثيرات الثقافية الوافدة، سواء كانت عثمانية أو بريطانية أو عربية غريبة عن البيئة العراقية وتاريخها الاجتماعي… ؛ فليس كل ما ورثناه عبر تعاقب الأزمنة يستحق البقاء بوصفه جزءاً من هويتنا الوطنية، إذ إن طول حضور بعض التسميات في الوعي العام لا يمنحها بالضرورة صفة الأصالة أو المشروعية التاريخية… ؛  ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة واعية لهذه التسميات، وتمييز ما يُعبّر عن الشخصية العراقية ويُجسّد خصوصيتها الحضارية عمّا فُرض عليها بفعل الاحتلال أو النفوذ السياسي والثقافي أو النقل غير النقدي من بيئات أخرى… ؛  فالأماكن التاريخية والمقدسة في العراق يجب أن تُطهّر من هذه المسميات الدخيلة التي ترمز إلى التبعية والتغلغل الإقليمي والخارجي ؛  وإن واجب الدولة والمجتمع هو اقتلاع هذه الأسماء المستفزة من التداول، وفرض الأسماء الوطنية الأصيلة، مثل سوق النجف أو سوق بغداد، رسمياً وشعبياً لإنهاء هذا الاستلاب الثقافي.

إن بعض المسميات المفروضة ترتبط في الذاكرة العراقية بحقب مريرة؛ كالأحياء التي سُميت بأسماء دول أفاضت بعمالة وافدة مليونية حلت محل الشباب العراقي الذي سِيق لجبهات الحروب، ناهيك عن الأدوار السياسية التخريبية لبعض تلك الدول ودعمها للديكتاتورية السابقة وصولاً إلى انخراط بعض مواطنيها في الإرهاب لاحقاً. لذا، فإن التحرر الثقافي والسياسي يفرض إزالة هذه الندوب عن جسد العاصمة.

خلاصة القول:

إن باريس عندما سمّت شوارعها بأسماء مصرية، كانت تخلّد انتصارات جيشها وتاريخها الإمبراطوري، ولم تكن تبحث عن هوية بديلة لهويتها الفرنسية… ؛  أما في بغداد، فإن هذه الأسماء فُرضت في حقب سابقة لتمجيد جهات ارتبطت في ذاكرتنا بالانقلابات والتخريب الاقتصادي ومشاركة وافديها في الإرهاب… ؛  كما أن المسميات الدخيلة المستفزة  مرفوضة جملةً وتفصيلاً ولا يمكن شرعنتها.

وإن بناء الهوية الوطنية والسيادة الثقافية يتطلبان تطهير المجال العام للعاصمة بغداد كلياً من أي نفوذ أو مسمى أجنبي، وإنصاف مدن العراق وحضارته العريقة التي هي أولى وأبقى بأن تخلّد في شوارعنا وأسواقنا وساحاتنا ومؤسساتنا.

*خاتمة

العراق ليس أقل شأناً من باريس، بل هو أعرق وأبقى… ؛  وما بناه أجدادنا في وادي الرافدين لا يقاس بحملة نابليون… ؛  فحري بنا أن نخلد مدننا العظيمة وحضارتنا السومرية والبابلية والآشورية في كل زاوية من زوايا عاصمتنا.

 بناء الهوية الوطنية مسؤولية مقدسة، تبدأ بتطهير البصر قبل البصيرة، وبغداد تستحق أن تكون عراقية خالصة في كل حجر فيها.

لذلك، بات من الواجب الوطني والسياسي الفوري إطلاق حملة كبرى لـ “تعريق” كل شبر في العاصمة، تشمل تغيير الأسماء الدخيلة والاجنبية والغريبة  للمؤسسات، والدوائر، والساحات، والشوارع، وتحويلها إلى معالم عراقية خالصة.

نعم ,نطالب اليوم، وبأعلى صوت، بتعريق تسميات أحياء وشوارع العاصمة بغداد وساحاتها ودوائرها ومؤسساتها، وتطهير هويتها البصرية من كل ما هو دخيل وغريب  واجنبي عن روح العراق وحضارته العريقة… ؛  فمن المهانة الوطنية أن نسمع في قلب بغداد التاريخية أسماء لا تمتّ إلى تراثنا بصلة .

وعلى الحكومة العراقية والمجتمع المدني والنخب الثقافية أن يتحدوا لإقرار قانون يُلزم ب عرقنة أسماء:

• الشوارع والأحياء والساحات

• الدوائر والمؤسسات الحكومية

• المدارس والجامعات

• الأسواق والمرافق العامة

وختاما : لسنا دعاة انغلاق أو خصومة مع العالم؛ فلا بأس بأن تحمل بعض مشاريع القطاع الخاص أسماء أجنبية يختارها أصحابها بحرية، كما لا حرج في اعتماد تسميات دولية في الفضاءات المرتبطة بالعمل الدبلوماسي أو الأنشطة الاقتصادية العابرة للحدود… ؛  غير أن الأمم الواثقة من نفسها لا تسمح بأن تتحول الاستثناءات إلى قاعدة، ولا أن تتوارى أسماؤها ورموزها خلف سيل من التسميات الوافدة.

إن الهوية الوطنية يجب أن تبقى المرجعية العليا في تسمية المعالم العامة، لأنها ليست مجرد ألفاظ تُعلَّق على اللافتات، بل ذاكرة وتاريخ وانتماء وسيادة رمزية… ؛  ومن حق العراقيين أن يروا أسماء علمائهم وأدبائهم ومدنهم ورموزهم الحضارية حاضرة في فضائهم العام.

أما الإفراط في تمجيد ثقافات دول لا تُكنّ احتراماً مماثلاً لثقافتنا، ولا تمنح رموزنا أي حضور في فضائها العام، فإنه لا يعكس انفتاحاً حضارياً بقدر ما يكشف خللاً في تقدير الذات الوطنية… ؛ فالاحترام الحقيقي بين الأمم يقوم على الندية والتبادل المتكافئ، لا على الإعجاب من طرف واحد أو التنازل المجاني عن الرموز والذاكرة.