المسؤولية الدولية وعناصر الإلزام بالتعويض عن تمويل الإرهاب ورعايته عبر الحدود: السعودية نموذجًا

رياض سعد

المقدمة

يُعد الإرهاب العابر للحدود أحد أخطر الجرائم الدولية التي واجهها المجتمع الدولي خلال العقود الأخيرة، لما خلّفه من آثار مدمرة على حياة الشعوب واستقرار الدول، ولما انطوى عليه من انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

وقد كان العراق، منذ عام 2003، من أكثر الدول تعرضًا لهذا النوع من الإرهاب، إذ شهد موجات غير مسبوقة من التفجيرات الانتحارية، والقتل الجماعي، والذبح، والاختطاف، والسبي، والاسترقاق الجنسي، والتهجير القسري، وتدمير البنى التحتية، ودور العبادة، والمؤسسات الحكومية، والممتلكات العامة والخاصة، وهي جرائم أودت بحياة مئات الآلاف من العراقيين، وخلفت خسائر اقتصادية واجتماعية وإنسانية هائلة.

وقد أشارت تقارير حكومية عراقية، ووثائق أمنية، ودراسات أكاديمية، وتقارير صادرة عن جهات دولية، إلى أن أعدادًا كبيرة من المقاتلين الأجانب الذين انضموا إلى تنظيم القاعدة في العراق، ثم إلى التنظيمات المتطرفة اللاحقة، كانوا يحملون الجنسية السعودية، كما أثيرت اتهامات بشأن انتقال تبرعات خاصة وأموال من بعض الأفراد والشبكات داخل السعودية إلى جماعات مسلحة وتنظيمات تكفيرية نشطت في العراق، إلى جانب وجود خطاب ديني وإعلامي تبناه بعض الدعاة والوسائل الإعلامية أسهم، وفق عدد من الباحثين، في تأجيج الانقسام الطائفي وتوفير بيئة دعائية استغلتها تلك التنظيمات في التجنيد والتعبئة… ,  وفي المقابل، أعلنت السلطات السعودية خلال مراحل لاحقة اتخاذ إجراءات لمكافحة تمويل الإرهاب وتشديد الرقابة على الأنشطة المالية المرتبطة به.

وتثير هذه الوقائع إشكالية قانونية تتمثل في مدى قيام المسؤولية الدولية في الحالات التي يثبت فيها دعم الإرهاب أو تمويله أو التحريض عليه أو الإخلال بالالتزامات الدولية الواجبة لمنع استخدام الإقليم أو الموارد المالية أو المنابر الإعلامية في خدمة التنظيمات الإرهابية. كما تثير تساؤلًا حول إمكانية مطالبة الدولة المتضررة بالتعويض عن الأضرار البشرية والاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن تلك الأفعال متى توافرت أركان المسؤولية الدولية وفق قواعد القانون الدولي.

ومن هذا المنطلق، يسعى هذا البحث إلى دراسة قواعد المسؤولية الدولية عن دعم الإرهاب العابر للحدود، وتحليل أركان الإلزام بالتعويض في ضوء أحكام القانون الدولي، مع تناول الحالة السعودية بوصفها دراسة حالة، استنادًا إلى الوقائع الموثقة والأدلة القانونية والتقارير الرسمية ذات الصلة، بعيدًا عن التعميم أو الأحكام غير المستندة إلى دليل.

# 1- تدفق المقاتلين السعوديين  والعمليات الإرهابية

تشير تقديرات إلى أن آلاف المقاتلين الأجانب، كان السعوديون من بين أبرز جنسياتهم، دخلوا العراق للمشاركة في العنف الطائفي والهجمات الإرهابية.

* أعداد كبيرة: أشارت تصريحات لمسؤولين عراقيين إلى أن عدد المقاتلين السعوديين الذين دخلوا العراق منذ 2003 كان بالآلاف.

* عمليات انتحارية: برز السعوديون كأحد أكثر الجنسيات تنفيذًا للعمليات الانتحارية، ما تسبب بمقتل مئات الآلاف من العراقيين… ؛ كما جندت السعودية الاف الارهابيين من جنسيات عربية وآسيوية وأجنبية أخرى ؛ للقتال في العراق .

وقد أسهمت هذه التنظيمات الارهابية والشخصيات الاجرامية في تنفيذ هجمات استهدفت المدنيين وقوات الأمن ودور العبادة والأسواق والمؤسسات الحكومية، وارتكبت جرائم قتل جماعي وخطف وتهجير وسبي واستعباد جنسي بحق الشيعة و الإيزيديين والتركمان وغيرهم، فضلًا عن تدمير الممتلكات العامة والخاصة، والبنية التحتية ,  والاعتداء على المواقع الأثرية والدينية، وهي أفعال ترقى في كثير من الحالات إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفقًا للقانون الدولي.

* جرائم مروعة: تورط هؤلاء المقاتلون في جرائم شملت التفجيرات والذبح والسبي والاغتصاب والنهب والتدمير، طالت الممتلكات العامة والخاصة.

* طبيعة العمليات: نُفّذت مئات العمليات الانتحارية عبر السيارات المفخخة والأحزمة الناسفة التي استهدفت الأسواق، والمساجد، واللقاءات الدينية، والمراكز الأمنية، والبنية التحتية، فضلاً عن جرائم الخطف والذبح والحرق والاغتيالات وتأجيج الاقتتال الطائفي.

 * دوافع العبور: تجمعت العوامل بين شحن أيديولوجي تكفيري، وسهولة التسلل عبر الحدود السعودية العراقية البرية الممتدة في سنوات الفوضى  , وضعف الاجهزة الامنية العراقية في حينها، إضافة إلى شبكات تجنيد ووساطة نشطت في المنطقة.

# 2 – تعميق الانقسام الاجتماعي والطائفي وإضعاف الثقة بين مكونات المجتمع

لقد أسهمت التدخلات السعودية ، وما رافقها من حملات إعلامية وخطابات تحريضية وطائفية وتكفيرية ، في تعميق الانقسام المجتمعي داخل العراق بعد عام 2003… ؛  وقد استغلت التنظيمات الإرهابية والمتطرفة هذا المناخ لتغذية خطاب الكراهية والتكفير، وإثارة النعرات الطائفية، وتقويض أواصر التعايش التاريخي بين مكونات الشعب العراقي.

كما وفرت تلك الأجواء بيئة مواتية لتجنيد العناصر المتشددة، ودفعها إلى ارتكاب أعمال عنف واسعة النطاق استهدفت المدنيين على أساس الانتماء المذهبي أو العرقي، بما في ذلك المجازر الجماعية، والتفجيرات الإرهابية، وعمليات القتل والاختطاف والتهجير القسري، في محاولة لإحداث شرخ عميق في النسيج الاجتماعي العراقي، وزرع العداء والريبة بين أبناء الوطن الواحد، وإفشال جهود بناء الدولة وترسيخ السلم الأهلي.

وقد ترتب على ذلك إضعاف مؤسسات الدولة، واستنزاف مواردها البشرية والاقتصادية، وتعطيل مسيرة التنمية، وإشغال المجتمع بصراعات داخلية أنهكت وحدته الوطنية، في الوقت الذي كانت فيه البلاد بأمسّ الحاجة إلى ترسيخ الاستقرار وإعادة بناء مؤسساتها السياسية والأمنية والاقتصادية.

# 3- الدعم الفضائي والإعلامي والديني

 * الفتاوى والتحشيد الديني: أصدر بعض الدعاة والمؤسسات الدينية غير الرسمية  بل والرسمية في السعودية والخليج فتاوى تحرض على ما سموه “الجهاد في العراق”، وتكفّر المكون الشيعي والعملية السياسية والتجربة الديمقراطية الناشئة، مما أعطى غطاءً شرعياً مزيفاً للعمليات الإجرامية.

اذ اتهمت جهات عراقية وسائل إعلام ومؤسسات دينية سعودية بالتحريض ضد العراق :

• خطاب تحريضي: وُصف التحشيد الإعلامي الخليجي بأنه “تسقيطي” للحكومة العراقية منذ 2003.

• تكفير الشيعة: اتهم مسؤولون سعوديون بتحمل مسؤولية “فتاوى التكفير” التي تحرض على الكراهية والعنف ضد الشيعة.

• مهاجمة الرموز: تعرضت المرجعيات الدينية الشيعية، وعلى رأسها آية الله السيستاني، لهجمات من قبل داعين سعوديين.

نعم ؛ قد شهدت تلك المرحلة خطابًا إعلاميًا وسياسيًا متوترًا بين العراق وبعض الأطراف الإقليمية، وتضمنت بعض المنابر تصريحات ومضامين عدائية تجاه العملية السياسية الجديدة في العراق، وتجاه قوى سياسية ومكونات اجتماعية عراقية، وهو ما رأى فيه كثير من الباحثين عاملًا أسهم في تعميق الانقسام الطائفي وإيجاد بيئة يستفيد منها الفكر المتطرف.

# 4-  الخسائر التي تكبدها العراق

 * الخسائر البشرية: يُقدّر عدد الضحايا العراقيين من المدنيين وعناصر الأجهزة الأمنية بمئات الآلاف من الشهداء والجرحى، إضافة إلى ملايين الأيتام والأرامل والمهجرين داخلياً وخارجياً.

 *  الخسائر الاقتصادية والتنموية: قُدّرت الخسائر المباشرة وغير المباشرة للاقتصاد العراقي نتيجة الإرهاب والعمليات العسكرية بعشرات المليارات من الدولارات، مما أدى إلى تعطيل مشاريع التنمية وتدمير البنية التحتية ونزيف الموارد الوطنية في ملف الأمن والدفاع.

نعم , نتج عن هذه العوامل كلفة باهظة على العراق.

• خسائر بشرية: قُتل مئات الآلاف من المدنيين العراقيين.

• خسائر اقتصادية: قدرت خسائر العراق جراء الإرهاب بأكثر من 400 مليار دولار.

• دمار شامل: طال التدمير البنى التحتية والممتلكات العامة والخاصة، مما أخر عملية التنمية لعقود.

#5- التمويل  و الدعم اللوجستي

وفيما يتعلق بالدعم المالي واللوجستي ، فقد وُجهت عبر السنوات اتهامات من مسؤولين وسياسيين عراقيين، ومن تقارير بحثية وإعلامية، إلى أفراد وجهات خاصة في بعض دول الخليج، بينها السعودية، بتقديم تبرعات أو تمويل وصل إلى جماعات متشددة، خصوصًا خلال السنوات الأولى بعد 2003.

كما اتهمت بتقديم المعلومات والسيارات والاسلحة والاليات المصفحة والمفخخة للعناصر الارهابية السعودية وغيرها … ؛  بل ان هنالك أدلة ملموسة: اذ عُثر على سيارات تحمل لوحات سعودية كانت تستخدم من قبل الجماعات المسلحة في العراق.

كما قدمت المخابرات السعودية احداثيات ومعلومات دقيقة للإرهابيين في العراق .

*** الاستحقاقات والتعويضات القانونية

تمثّل الإشكالية الناتجة عن دعم الإرهاب والتنظيمات المسلحة العابرة للحدود أحد أبرز التحديات التي تمسّ الأمن والسلم الدوليين… ؛  وفي حالة العراق، فإن حجم الأضرار البشرية، والمادية، والاقتصادية التي لحقت بالبنية التحتية والمواطنين العراقيين جراء العمليات الإرهابية والتفجيرات الانتحارية بعد عام 2003، يطرح استحقاقاً قانونياً موجباً للمطالبة بالتعويض وجبر الضرر وفق أحكام القانون الدولي العام.

1. مبدأ “المسؤولية الدولية للدول” عن الأعمال غير المشروعة

يستند التكييف القانوني لإلزام الدول بالتعويض إلى مشاريع مواد لجنة القانون الدولي (ILC) بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً (2001):

 * مبدأ الإسناد (Attribution): وفقاً للمادة (8) من القواعد، فإن الدولة تُعدّ مسؤولة قانوناً عن أفعال الأفراد أو الجماعات إذا كانت هذه الجماعات تتصرف بتوجيه من الدولة، أو تحت قيادتها، أو بتمويل ودعم لوجستي وتسهيل لمرور عناصرها.

 * الالتزام بالامتناع عن التسهيل: تنص المادة (2) من اتفاقية الأمم المتحدة لقمع تمويل الإرهاب (1999) ومقررات مجلس الأمن (ولا سيما القرار 1373) على التزام صريح يمنع الدول من توفير الملجأ، أو التمويل، أو التسهيل، أو التغاضي عن حركة الجماعات التكفيرية والإرهابية عبر حدودها.

النتيجة القانونية: إن تقاعس الدولة عن ضبط حدودها أو غض الطرف عن جمع التبرعات وتجنيد الانتحاريين يُسقط عنها “دفوع عدم العلم”، ويجعلها شريكاً في الفعل غير المشروع بموجب قواعد التقصير الدولي.

2. صور جبر الضرر: الالتزام بالتعويض (Reparation and Compensation)

ينص المبدأ المستقر في القضاء الدولي (والذي كرّسَتْه محكمة العدل الدولية في قضية *مصنع شورزوف 1928*) على أن: “أي خرق لالتزام دولي يتبعه التزام بجبر الضرر بشكل كامل”.

ويشمل جبر الضرر الناجم عن رعاية الإرهاب الأشكال التالية:

 1. التعويض المالي (Compensation): تغطية الأضرار المادية المباشرة وغير المباشرة، بما فيها خسائر الأرواح، والرعاية الصحية للجرحى، وتدمير البنى التحتية، واستنزاف الاقتصاد الوطني.

 2. الترضية والاسترداد (Satisfaction and Restitution): تقديم اعتذار رسمي، وإحالة المتورطين والممولين والمحرضين إلى المحاكمة، والتعهد الصارم بعدم تكرار هذه الأفعال.

3. الآليات والمحاكم الدولية المتاحة للعراق

للمطالبة بالتعويضات وإقرار المسؤولية القانونية، تتعدد المسارات والأدوات القضائية والدبلوماسية التي يمكن للدولة العراقية اعتمادها:

 * محكمة العدل الدولية (ICJ): رفع دعاوى قضائية تسند إلى خرق الاتفاقيات الدولية الإقليمية أو الشاملة لمكافحة الإرهاب التي تكون الدولتان طرفاً فيها.

 * لجان التحكيم واللجان الخاصة بالتعويضات: إنشاء لجان ثنائية أو أممية لحصر الأضرار وتحديد مبالغ التعويض (على غرار تجربة لجنة الأمم المتحدة للتعويضات UNSCC).

 * الاختصاص القضائي العالمي ومحاكم الدول: اللجوء إلى رفع دعاوى مدنية وجنائية أمام محاكم ذات اختصاص عابر للحدود ضد المؤسسات والأفراد والشخصيات المتورطة في تمويل وضخ الخطاب التكفيري وخطاب الكراهية الذي أدى لارتكاب جرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية.

4. استحقاقات السيادة الوطنية العراقيّة

إن إغلاق ملف الضحايا والجرائم الإرهابية عبر صفقات سياسية أو الإفراج عن سجناء سعوديين متورطين بقضايا إرهابية يُعدّ تفريداً غير قانوني في حقوق الضحايا ومخالفة لأحكام الدستور والقانون الجنائي العراقي.

تتطلب حماية الأمن القومي العراقي صياغة “ملف قانوني متكامل” (Master Legal Dossier) يتضمن الأدلة الجنائية، والاعترافات القضائية، ووثائق استخبارية تثبت تدفق الأموال والعناصر الانتحارية، ليكون ركيزة أساسية في فرض التعويضات وملاحقة الجهات الداعمة للإرهاب أمام المحافل الدولية.

*** المقارنة بين العراق وحوادث دولية اخرى

تُبرز المقارنة بين حالة العراق وحالات دولية أخرى—مثل ليبيا في قضية لوكربي (Lockerbie, 2003) والسودان في اتفاقية التسوية الثنائية (US-Sudan Settlement, 2020)—فجوة واضحة بين الامتلاك المادي للأدلة وبين القدرة الإجرائية على تحويلها إلى تعويضات ملزمة وفق القانون الدولي.

ففي النموذج الليبي، نجحت الأطراف المتضررة (الولايات المتحدة والمملكة المتحدة) في استصدار قرارات ملزمة من مجلس الأمن تحت الفصل السابع، وربط رفع العقوبات الاقتصادية وحظر الطيران باعتراف طرابلس بالمسؤولية القانونية ودفع تعويضات مالية تجاوزت 2.7 مليار دولار لضحايا الطائرة “بان أم 103”. وعلى المنوال ذاته، خضع السودان لضغط التسوية الثنائية ودفع 335 مليون دولار لضحايا تفجير السفارات الأمريكية واستهدَاف المدمرة “يو إس إس كول” كشرط أساسي لرفعه من قائمة الدول الراعية للإرهاب وإعادة إدماجه في النظام المالي الدولي.

في المقابل، تتجلى المفارقة في الحالة العراقية:

 * غياب التدويل والإرادة السياسية: بينما استندت القضايا الرابحة إلى إرادة سياسية وتدويل صريح للملفات الجنائية، استمر التعاطي العراقي مع الملفات الإرهابية العابرة للحدود ضمن نطاق التبادل الأمني المحلي، دون رفعها إلى المحاكم الدولية أو تدويل “الملف الموحد” للجرائم الإرهابية.

 * مبدأ المعاملة بالمثل والجبر: خضع العراق لبنود صارمة وضغوط أممية دفع بموجبها تعويضات كاملة تجاوزت 52 مليار دولار عن غزو الكويت (عبر لجنة الأمم المتحدة للتعويضات UNSCC)، بينما لم يُفعل عراق ما بعد 2003 مسار “المعاملة بالمثل” (*Reciprocity*) لانتزاع تعويضات مماثلة من الدول المتورطة في رعاية أو تسهيل مرور آلاف الانتحاريين والتكفيريين عبر حدوده.

تُثبت هذه المقارنة أن تحصيل التعويضات الدولية لا يتوقف على حجم الأضرار والمظلومية المباشرة، بل يعتمد بالأساس على مأسسة الملف الجنائي، والقدرة على ربط المصالح الاقتصادية والدبلوماسية بملف جبر الضرر، وهو المفصل الإستراتيجي الذي يتوجب على صانع القرار العراقي تفعيله للانتقال من موقف الدفاع الاستثنائي إلى وضع الاستحقاق القانوني الدولي.

إليك قائمة بالخطوات الإجرائية والتنفيذية المقترحة التي يمكن للحكومة العراقية اتخاذها لبناء ومأسسة “الملف الموحد للتعويضات” وتحويله من إطار سياسي إلى ملف قانوني دولي نافذ:

1. الإطار المؤسسي والتشريعي (تأسيس البنية الإدارية)

 * تشكيل “الهيئة الوطنية المستقلة للتعويضات وتوثيق جرائم الإرهاب”: تأسيس هيئة بمرسوم تنفيذي أو قانون برلماني تُلحق بانتشال الأوراق والمستندات، وتضم ممثلين عن وزارات (العدل، الخارجية، الداخلية، الصحة، المالية، والتخطيط)، إضافة إلى مجلس القضاء الأعلى وهيئة الحشد الشعبي.

 * إقرار قانون حماية الأدلة الجنائية الدولية: سن تشريع يمنع التلف أو التلاعب أو التفريط في أي اعترافات، أو تسجيلات، أو مبرزات جرمية ترتبط بالعمليات الإرهابية العابرة للحدود.

2. التوثيق والحصر الجنائي والمادي (بناء قاعدة البيانات)

 * تأسيس السجل الوطني المركزي للضحايا والأضرار:

   * حصر كافة الضحايا (شهداء، جرحى، ومفقودين) وتدقيق بياناتهم الجنائية والصحية.

   * تقييم الأضرار المادية والبنى التحتية والتكلفة الاقتصادية الإجمالية جراء التفجيرات والعمليات الإرهابية منذ عام 2003.

 * إعداد “الملف الجنائي التوثيقي الموحد” (Master Dossier):

   * تجميع وتدقيق اعترافات الانتحاريين والإرهابيين الأجانب المسجلين لدى جهاز المخابرات الوطني ومجلس القضاء الأعلى.

   * أرشفة أدلة التمويل المالي، وخطوط السير والعبور الحدودية، والوثائق التقنية (كبيانات الهواتف، والتتبع الإلكتروني، والخطابات التحريضية).

3. التكييف القانوني والدولي (إعداد الأدوات القضائية)

 * الاستعانة باصحاب خبرة وقانونيين دوليين: التعاقد مع مكاتب محاماة دولية متخصصة في نزاعات القانون الدولي العام ومسؤولية الدول لضمان إعداد الملف وفق معايير قبول الدعاوى أمام المحاكم الدولية.

 * تكييف الملف وفق قواعد “المسؤولية الدولية”: إثبات خرق الدول للقرارات الأممية (ولا سيما القرار 1373) والاتفاقيات المعروفة بهذا الجانب ، عبر الربط بين التقصير في منع التدفق المالي/العقائدي/البشري وبين الأضرار المباشرة التي لحقت بالعراق.

4. التحرك الدبلوماسي والمحافل الدولية (التدويل والتفاوض)

 * تفعيل الدبلوماسية القضائية: إحالة الملف الموحد إلى مجلس الأمن الدولي، والجمعية العامة للأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان للضغط ونزع الشرعية عن أي تملص دولي.

 * اشتراط مبدأ “المعاملة بالمثل” والتسويات الثنائية:

   * ربط الاتفاقيات الاقتصادية، والاستثمارية، والسياسية، والتجارية مع الدول المعنية بمدى تجاوبها في تسوية ملف التعويضات وجبر الضرر.

   * طرح خيار “التسويات المالية والتاريخية المباشرة” (على غرار النموذج الليبي والسوداني) قبل الذهاب للتقاضي الدولي الشامل.

5. المسار القضائي والتنفيذي (تحريك الدعاوى)

 * رفع الدعاوى أمام القضاء الدولي والمحاكم ذات الاختصاص العابر للحدود: تحريك دعاوى مدنية وجنائية ضد المؤسسات والشخصيات الداعمة والممولة للإرهاب في محاكم دولية أو محاكم أجنبية تسمح قوانينها بذلك (مثل محاكم الاختصاص العالمي).

 * حظر ومصادرة الأصول والتجميد المالي: استخدام أحكام ومذكرات التوقيف الدولية لتجميد أصول الجهات أو الأفراد المتورطين في دعم الجماعات الإرهابية لحين إتمام إجراءات جبر الضرر والتعويض.