الهجرة وكربلاء وثورة زيد.. محطات وعي في مواجهة الاستكبار
وفاء الكبسي
مع إطلالة العام الهجري الجديد، تستحضر الأمة ذكرى الهجرة النبوية الشريفة لا بوصفها حدثًا تاريخيًا مضى وانقضى، وإنما باعتبارها مشروعًا قرآنيًا متجددًا لصناعة الإنسان وبناء الأمة وإقامة الحق في مواجهة الطغيان. فالهجرة لم تكن انتقالًا جغرافيًا من مكة إلى المدينة فحسب، بل كانت انتقالًا من الاستضعاف إلى التمكين، ومن الحصار إلى الانطلاق، ومن واقع الهيمنة الجاهلية إلى فضاء العزة الإيمانية التي أرادها الله لعباده المؤمنين.
ومن مشكاة الهجرة تستمد الأمة دروسها الكبرى في الصبر والثبات والتضحية، وهي ذات القيم التي تجلت في كربلاء الخالدة حين وقف الإمام الحسين عليه السلام في مواجهة الانحراف والطغيان، رافضًا منح الشرعية للباطل، ومؤكدًا بدمه الطاهر أن الأمة التي تفقد إرادة المواجهة تفقد كرامتها ووجودها. فكانت كربلاء مدرسة للأحرار في كل زمان، ومنارة تهدي الشعوب إلى أن الحق لا يُقاس بموازين القوة المادية، وإنما بصدق الموقف وعدالة القضية.
وعلى النهج ذاته جاءت ثورة الإمام زيد بن علي عليه السلام لتجسد المسؤولية العملية في مواجهة الظلم، وترسخ مبدأ أن السكوت على الطغيان ليس خيارًا للأمة المؤمنة، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مشروع حياة لا يقبل المساومة أو التراجع. فكان الإمام زيد صوتًا قرآنيًا ثائرًا، وحركة إصلاحية جسدت الامتداد الطبيعي لرسالة جده المصطفى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وإذا كانت كربلاء تمثل في وجدان الأمة عنوان الصراع الأبدي بين الحق والباطل، فإن ما تعيشه الأمة اليوم ليس بعيدًا عن تلك المظلومية الممتدة؛ فكربلاء لم تكن واقعة انتهت في عاشوراء، بل تحولت إلى معيار يميز بين معسكر الحق ومعسكر الباطل في كل عصر. وما تشهده الأمة اليوم من عدوان واستباحة للدماء وانتهاك للحقوق ومحاولات إخضاع الشعوب الحرة، يعيد إلى الأذهان صورة الصراع نفسه وإن اختلفت الأسماء والوسائل.
وفي خضم هذه الأحداث المتسارعة، تكشفت حقائق كثيرة كانت تُخفى خلف سطوة الإعلام وقوة المال والسلاح. فمشروع الهيمنة الأمريكية الذي سعى لعقود طويلة إلى إخضاع الشعوب ونهب مقدراتها وفرض إرادته على المنطقة، يواجه اليوم تحديات غير مسبوقة، وتتصدع صورته أمام صمود قوى المقاومة وثبات الشعوب الحرة التي رفضت الاستسلام والخضوع.
ولعل من أخطر ما كشفت عنه المرحلة الراهنة حجم الاستهتار الأمريكي بمقدسات الأمة الإسلامية ومشاعرها، في صورة عكست العقلية الاستعلائية التي تنظر إلى الشعوب والأمم بمنطق الهيمنة والتسلط. وفي المقابل، جاء الموقف الشعبي اليمني معبرًا عن أصالة الانتماء الإيماني وعمق الارتباط بمقدسات الأمة، حيث خرجت الجماهير اليمنية في مسيرات ومواقف شعبية واسعة تندد بأي مساس بالمقدسات الإسلامية، وتؤكد أن الكعبة المشرفة ومكة المكرمة خط أحمر في وجدان المسلمين لا يمكن القبول بالمساس به أو الانتقاص من مكانته.
وقد حمل هذا الموقف الشعبي رسالة بالغة الدلالة، إذ فضح كثيرًا من الأكاذيب والدعايات التي سعت خلال السنوات الماضية إلى تشويه اليمن واتهامه زورًا باستهداف المقدسات الإسلامية، بينما أثبتت المواقف العملية أن الشعب اليمني كان ولا يزال من أكثر الشعوب ارتباطًا بالكعبة المشرفة وغيرة على حرمات الإسلام ومقدساته. فجاءت الحشود الشعبية والمواقف الواضحة لتسقط تلك المزاعم، وتؤكد أن اليمن يقف في موقع الدفاع عن الأمة وقضاياها ومقدساتها، لا في موقع الاعتداء عليها.
وفي هذا السياق، يبرز الموقف اليمني المساند لقضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، بوصفه امتدادًا عمليًا لقيم الهجرة وكربلاء وثورة الإمام زيد. فاليمن الذي واجه سنوات طويلة من العدوان والحصار لم يتخلَّ عن مسؤوليته الدينية والأخلاقية والإنسانية، بل ظل حاضرًا في معركة الدفاع عن المظلومين ومواجهة مشاريع الهيمنة والاستكبار، مؤكدًا أن الإرادة المؤمنة قادرة على تجاوز التحديات وصناعة التأثير مهما كانت الإمكانات محدودة.
إن الهجرة النبوية وكربلاء وثورة الإمام زيد عليهم السلام ليست محطات تاريخية نستذكرها فحسب، بل هي مدارس متجددة لصناعة الوعي وترسيخ الموقف الحق في مواجهة الباطل. ومن يستلهم دروسها بصدق يدرك أن معركة الأمة اليوم هي معركة وعي وإرادة وثبات، وأن النصر لا يُصنع إلا بالشعوب التي تعرف قضيتها، وتتمسك بمبادئها، وترفض الخضوع للمستكبرين مهما بلغت قوة بطشهم، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
#اتحاد_كاتبات_اليمن