د. فاضل حسن شريف
عن تفسير الميسر: قال الله تعالى عن بني اسرائيل “وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ” ﴿الأعراف 137﴾ بَنِي اسم، إِسْرَائِيلَ: اسم علم. وَتَمَّتْ: وَ حرف عطف، تَمَّتْ فعل، وأررثنا بني إسرائيل الذين كانوا يُستَذَلُّون للخدمة، مشارق الأرض ومغاربها وهي بلاد الشام التي باركنا فيها، بإخراج الزروع والثمار والأنهار، وتمت كلمة ربك أيها الرسول الحسنى على بني إسرائيل بالتمكين لهم في الأرض، بسبب صبرهم على أذى فرعون وقومه، ودمَّرنا ما كان يصنع فرعون وقومه من العمارات والمزارع، وما كانوا يبنون من الأبنية والقصور وغير ذلك.
وعن تفسير جوامع الجامع للشيخ الطبرسي: قوله تعالى “وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ” ﴿الأعراف 137﴾”القوم” هم بنو إسرائيل كان يستضعفهم فرعون وقومه، و”الأرض” أرض مصر والشام ملكها بنو إسرائيل بعد العمالقة والفراعنة فتصرفوا في نواحيها الشرقية والغربية كيف شاءوا”التي باركنا فيها” ﴿الأعراف 137﴾ بأنواع الخصب من الزروع والثمار والعيون والأنهار”وتمت كلمت ربك الحسنى” ﴿الأعراف 137﴾ وهو قوله: “ونريد أن نمن على الذين استضعفوا” (القصص 5) إلى قوله: “ما كانوا يحذرون” (القصص 6)، و”الحسنى” تأنيث (الأحسن) صفة للكلمة “و” معنى”وتمت كلمت ربك الحسنى” ﴿الأعراف 137﴾ مضت عليهم، من قولك: تم على الأمر: إذا مضى عليه واستمر”بما صبروا” بسبب صبرهم”ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه” ﴿الأعراف 137﴾ ما كانوا يعملونه من العمارات وبناء القصور”وما كانوا يعرشون” ﴿الأعراف 137﴾ من الجنات، وقرئ: “يعرشون” بضم الراء وكسرها، وهذا آخر ما اقتص الله سبحانه من نبأ فرعون والقبط وتكذيبهم بآيات الله.
وردت كلمة دمار ومشتقاتها في القرآن الكريم: وَدَمَّرْنَا، فَدَمَّرْنَاهَا، تَدْمِيرًا، فَدَمَّرْنَاهُمْ، دَمَّرْنَا، دَمَّرْنَاهُمْ، تُدَمِّرُ، دَمَّرَ. جاء في معاني القرآن الكريم: دمر قال: “فدمرناهم تدميرا” (الفرقان 36)، وقال: “ثم دمرنا الآخرين” (الشعراء 172)،”ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون” (الاعراف 137)، والتدمير: إدخال الهلاك على الشيء، ويقال: ما بالدار تدمري (أي: أحد، وانظر: المجمل 2/335)، وقوله تعالى: “دمر الله عليهم” (محمد 10)، فإن مفعول دمر محذوف.
جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله: “وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ” ﴿الأعراف 137﴾ أي أهلكنا ما كانوا يصنعونه وما كانوا يسقفونه من القصور والأبنية وما كانوا يعرشونه من الكرم وغيره.
جاء في معاني القرآن الكريم: عرش العرش في الأصل: شيء مسقف، وجمعه عروش. قال تعالى: “وهي خاوية على عروشها” (البقرة 259)، ومنه قيل: عرشت الكرم وعرشته: إذا جعلت له كهيئة سقف، وقد يقال لذلك المعرش. يعرشون: يبنون الأبنية. وقيل يرفعون دوالي الأعناب على الخشب. وكان عنبهم غير معروش. وقيل: العروش هنا السقوف. قال تعالى: “معروشات وغير معروشات” (الانعام 141)، “ومن الشجر ومما يعرشون” (النحل 68)، “وما كانوا يعرشون” (الاعراف 137). قال أبو عبيدة (راجع: مجاز القرآن 1/227): يبنون، واعترش العنب: ركب عرشه، والعرش: شبه هودج للمرأة شبيها في الهيئة بعرش الكرم، وعرشت البئر: جعلت له عريشا. وسمي مجلس السلطان عرشا اعتبارا بعلوه. قال: “ورفع أبويه على العرش” (يوسف 100)، “أيكم يأتيني بعرشها” (النمل 38)، “نكروا لها عرشها” (النمل 41)، “أهكذا عرشك” (النمل 42).
جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: “وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ” (الاعراف 137). و (صنع) كما يقول (الراغب) في (المفردات) يعني الأعمال الجميلة، وقد وردت هذه اللفظة في الآية الحاضرة بمعنى الهندسة الجملية الرائعة التي كان يستخدمها الفرعونيين في أبنيتهم. و (ما يعرشون) في الأصل تعني الأشجار والبساتين التي تنصب بواسطة العروش والسقف، ولها جمال عظيم وروعة باهرة. و “دمرنا” من مادة (التدمير) بمعنى الإهلاك والإبادة. وهنا يطرح السؤال التالي وهو: كيف أبيدت هذه القصور والبساتين، ولماذا؟ ونقول في الجواب: لا يبعد أن ذلك حدث بسبب زلازل وطوفانات جديدة وأمّا الضرورة التي قضت بهذا الفعل فهي أن جميع الفرعونيين لم يغرقوا في النيل، بل غرق فرعون وجماعة من خواصّه وعسكره الذين كانوا يلاحقون موسى عليه السلام، ومن المسلّم أنّه لو بقيت تلك الثروات العظيمة، والإمكانيات الاقتصادية الهائلة بيد من بقي من الفراعنة الذين كان عدد نفوسهم في شتى نواحي مصر كثيرا جدا لاستعادوا بها شوكتهم، و لقدروا على تحطيم بني إسرائيل، أو الحاق الأذى بهم على الأقل. أمّا الإمكانيات والوسائل فإن من شأنه أن يجردهم من أسباب الطغيان إلى الأبد. ومصداقا لتفسير الشيخ الشيرازي فان الله جل جلاله جعل قصور صدام سجنا له و لعصابته لتكون آية لكل طاغ قتل شعبه ووضعهم في مقابر جماعية كما حصل في الانتفاضة الشعبانية.
قال الله تعالى عن كلمة الدمار ومشتقاتها”فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ” ﴿النمل 51﴾ دَمَّرْنَاهُمْ: دَمَّرْ فعل، نَا ضمير، هُمْ ضمير، دمّرناهم: أهلكناهم، فانظر أيها الرسول نظرة اعتبار إلى عاقبة غَدْر هؤلاء الرهط بنبيهم صالح؟ أنا أهلكناهم وقومهم أجمعين، و”وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ” ﴿الأعراف 137﴾ وَدَمَّرْنَا: وَ حرف عطف، دَمَّرْ فعل، نَا ضمير، وأررثنا بني إسرائيل الذين كانوا يُستَذَلُّون للخدمة، مشارق الأرض ومغاربها ﴿وهي بلاد الشام﴾ التي باركنا فيها، بإخراج الزروع والثمار والأنهار، وتمت كلمة ربك أيها الرسول الحسنى على بني إسرائيل بالتمكين لهم في الأرض، بسبب صبرهم على أذى فرعون وقومه، ودمَّرنا ما كان يصنع فرعون وقومه من العمارات والمزارع، وما كانوا يبنون من الأبنية والقصور وغير ذلك، و”وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا” ﴿الإسراء 16﴾ فَدَمَّرْنَاهَا: فَ حرف عطف، دَمَّرْ فعل، نَا ضمير، هَا ضمير، فدمّرناها: استأصلناها و محونا آثارها، وإذا أردنا إهلاك أهل قرية لظلمهم أَمَرْنا مترفيهم بطاعة الله وتوحيده وتصديق رسله، وغيرهم تبع لهم، فعصَوا أمر ربهم وكذَّبوا رسله، فحقَّ عليهم القول بالعذاب الذي لا مردَّ له، فاستأصلناهم بالهلاك التام، و”فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا” ﴿الفرقان 36﴾ فَدَمَّرْنَاهُمْ: أهلكناهم، ولقد آتينا موسى التوراة، وجعلنا معه أخاه هارون معينًا له، فقلنا لهما: اذهبا إلى فرعون وقومه الذين كذَّبوا بدلائل ربوبيتنا وألوهيتنا، فذهبا إليهم، فدَعَواهم إلى الإيمان بالله وطاعته وعدم الإشراك به، فكذَّبوهما، فأهلكناهم إهلاكًا عظيمًا.