صيف العراق وبغداد… المعتدل
بين السخرية الرقمية (سوالف) والحقيقة العلمية
✍️ محمد فخري المولى
أثار منشور مرفق بصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تفاعلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي وجاء فيه
الحكومة ترفض أول اختراعاتي لتحويل الصيف إلى شتاء بارد قارص
مع الأسف ماكو دعم للمواهب.
ربما كان الهدف من المنشور الترفيه
أو زيادة التفاعل أو مجرد صناعة محتوى عابر
لكنه أعاد إلى الواجهة سؤالاً علمياً يستحق التوقف عنده
هل يمكن أن يصبح صيف العراق وبغداد تحديداً أكثر اعتدالاً؟
الإجابة لا تبدأ من الخيال ولا من نظريات المؤامرة
بل من تراكم علمي ودراسات رصينة أُنجزت منذ أكثر من نصف قرن
أكدت أن تخفيف قسوة الصيف ليس أمراً مستحيلاً بل يحتاج إلى تخطيط حضري وبيئي سليم.
اليوم يشهد العالم تغيرات مناخية متسارعة وتتزايد درجات الحرارة عاماً بعد آخر بفعل الاحتباس الحراري والتوسع العمراني وفقدان الغطاء النباتي
في المقابل تنتشر تفسيرات تتحدث عن العبث بالطقس أو سرقة الغيوم أو غيرها من الروايات التي تصرف الانتباه عن الأسباب الحقيقية والحلول الواقعية. وصولاً لإسقاط اللوم على مشاريع إيلون ماسك بالرغم من قناعتي الشخصية المؤيدة لذلك
لكن الاستمرار في هذه التفسيرات السطحية سينتهي بنا حتماً إلى راديكالية (نظرية المؤامرة) لندخل في متاهة من الجدل العقيم متناسين جزءاً غاية في الأهمية العلم والدراسات الاستراتيجية السابقة.
خلال مسيرتي البحثية اطلعت على دراسة مهمة فقدتها لاحقاً بعد احتراق منزلي وما ضمه من كتب وأبحاث وكان جوهرها بسيطاً وعميقاً في الوقت نفسه
إذا أُعيدت زراعة المناطق المحيطة بالعاصمة وفق خطة علمية مدروسة فإن صيف بغداد سيصبح أكثر اعتدالاً.
عند العودة إلى ما توفر من المراجع والدراسات يتضح أن هذه الفكرة لم تكن رأياً فردياً
بل كانت محوراً لعدد كبير من المشاريع العلمية.
من أبرزها المخطط الشامل لتطوير مدينة بغداد وآفاقها المستقبلية الذي أعدته مؤسسة Polservice البولندية بالتعاون مع أمانة العاصمة عام ١٩٧٣ والذي خصص فصلاً كاملاً للمحددات المناخية والبيئية لتوسع بغداد
وكانت الدراسة أول من حذر علمياً
من ظاهرة القبة الحرارية
مبينة أن تحويل الأراضي الزراعية المحيطة بالعاصمة إلى كتل إسمنتية سيؤدي إلى رفع درجات الحرارة بمعدل يتراوح بين ثلاث وخمس درجات مئوية مقارنة بالمناطق الريفية.
لمعالجة هذه الظاهرة اقترحت الدراسة إنشاء ما يعرف بـ الأصابع الخضراء (Green Fingers)
بحيث تتخلل البساتين والممرات الزراعية النسيج العمراني وتمتد من نهر دجلة إلى داخل الأحياء السكنية
بما يضمن استمرار حركة الهواء ووصول النسيم البارد إلى قلب المدينة
كما أوصت بإنشاء حزام أخضر غربي يبدأ من المناطق الشمالية الغربية لبغداد ليكون حاجزاً أمام الرياح الحارة والعواصف الترابية ويسهم في تحسين المناخ المحلي.
في السياق نفسه أثبتت دراسة
الدكتور خالد السلطاني حول البيئة الميكروكليماتية للمسكن البغدادي
أن الفناء الداخلي في البيوت البغدادية القديمة كان يمثل منظومة تكييف طبيعية، إذ يخزن برودة الليل ويطلقها تدريجياً خلال النهار
وأن التخلي عن هذا الطراز المعماري أسهم في ارتفاع درجات الحرارة داخل المساكن الحديثة.
أما مركز بحوث الطاقة الشمسية التابع لمجلس البحث العلمي العراقي،
فقد أجرى بين عامي ١٩٨٠ و ١٩٨٥ تجارب على تطوير الملاقف الهوائية وربطها بمنظومات تبريد أرضية
أظهرت النتائج إمكانية خفض حرارة الهواء الداخل إلى المنازل
من نحو ٤٦ إلى ٢٧ درجة مئوية
مع رطوبة معتدلة ومن دون استهلاك للطاقة الكهربائية.
تعود الجذور الفكرية لهذه الرؤى إلى مخطط المهندس اليوناني قسطنطين دوكسياديس عام ١٩٥٨ الذي دعا إلى توجيه الأحياء السكنية بما يسمح للرياح الشمالية الغربية بالمرور بين المباني وتجنب الاتجاهات التي تزيد من تعرض الجدران لأشعة الشمس.
كما أكدت الدراسات البيئية التي أعدتها جامعة بغداد وأمانة العاصمة في أواخر السبعينيات أهمية الحزام الأخضر، وحددت أنواع الأشجار الأكثر قدرة على مقاومة ملوحة التربة والجفاف
مثل الغاف والسدر والإيكالبتوس
لما تمتلكه من قدرة عالية على التبريد الطبيعي عبر عملية النتح.
قبل حرب الخليج أعدت شركات استشارية (يابانية وفرنسية) خططاً لتطوير كورنيش دجلة والمنطقة المحيطة به (مشروع أبو نؤاس وجزيرة الأعراس)، ركزت على استغلال تأثير التبريد التبخيري للنهر
أوصت الخطط بمنع بناء المباني المرتفعة والمرصوصة على الضفاف مباشرة لأنها تعمل كـ (مصدات) تمنع نسيم النهر الصيفي البارد من التغلغل لعمق الأحياء واقترحت بدلاً عنها ممرات ريحية مفتوحة
محذرة من إقامة مبانٍ مرتفعة ومكتظة على ضفاف النهر لأنها تمنع وصول نسيم دجلة إلى الأحياء الداخلية.
لكن وما ادراك ما لكن
يبقى السؤال الأهم
إذا كانت الحلول معروفة منذ عقود فلماذا لم تُطبق؟
المشكلة لم تكن في جودة الدراسات أو دقة نتائجها بل في الظروف التي مر بها العراق
فقد عطلت الحروب المتعاقبة والحصار الاقتصادي مشاريع التخطيط الحضري ثم جاءت التجاوزات العمرانية والتوسع غير المنظم وإزالة البساتين وتوزيع الأراضي خارج التصميم الأساس لتقضي على كثير من المقومات البيئية التي كانت تمثل الرئة الطبيعية للعاصمة.
نتيجة لذلك فقدت بغداد أجزاءً واسعة من غطائها الأخضر وتقلصت ممرات الرياح واتسعت المساحات الإسفلتية والخرسانية،
فأصبحت المدينة أكثر عرضة لظاهرة الجزيرة الحرارية وهو ما جعل صيفها أشد قسوة مما توقعته الدراسات نفسها.
المشكلة لم تكن يوماً في غياب العلم أو دقة الدراسات، بل في العقود اللاحقة التي شهدت أحداثاً عاصفة أوقفت قطار التنمية:
* الحروب المتلاحقة والحصار الاقتصادي في الثمانينيات والتسعينيات.
* التوزيع المفرط للأراضي خارج التصميم الأساسي (٢٠٠١ – ٢٠٠٢) عبر فرز نحو نصف مليون قطعة أرض وتجريف الفضاءات المخصصة للأحزمة الخضراء.
* التوسع العشوائي والأبراج غير المدروسة بعد عام ٢٠٠٣، والتي تجاوزت حد الإفراط إلى تشويه المنظر البصري والعمراني، وجرف بساتين الدورة والراشدية والمناطق المحيطة التي كانت تمثل الرئة الطبيعية للعاصمة.
ختاماً
صيف بغداد المعتدل لم يكن وهماً أو (سوالف) عابرة، بل كان حقيقة هندسية صاغها كبار علماء التخطيط الحضري. اليوم ونحن نواجه هذا القيظ،
علينا أن ندرك أن المستقبل لا ينتظر أحداً، ولا يُبنى بالمصالح الضيقة
الاعتدال المناخي يتحقق بالعودة إلى التخطيط العلمي وإحياء الأحزمة الخضراء، وحماية البساتين واستعادة العلاقة المتوازنة بين المدينة والطبيعة
إن المستقبل لا يبنى بالمصالح الآنية أو الحلول المؤقتة، وإنما بالعلم، واحترام الدراسات، وتحويل المعرفة إلى سياسات ومشروعات قابلة للتنفيذ.
تقديري واعتزازي
✍️ #محمد_فخري_المولى
مجموعة #العراق_بين_جيلين
الاعلامية
https://chat.whatsapp.com/DtjHYeyTo88KMHz0xya7OI?s=cl&p=a&mlu=4
https://chat.whatsapp.com/DtjHYeyTo88KMHz0xya7OI?s=cl&p=a&mlu=4